هل قررت باريس النزول عند مطالب الجزائر بتسليم المطلوبين؟
خوجة: طبيعة الوفد تؤشر على وجود نية فرنسية لتفعيل التعاون القضائي
يرافق وزير العدل حافظ الأختام الفرنسي، جيرالد درامانان، في زيارته إلى الجزائر هذا الإثنين، وفد وزاري ثقيل، يتكون من مديرين مركزيين، بمهام تتماشى وثقل الملفات المتراكمة بين البلدين، والتي كانت محل غضب الطرف الجزائري، حيث اتهم نظيره الفرنسي بعدم التعاون في مسائل حساسة، مثل سارقي المال العام الهاربين في باريس، وكذا أولئك الذين أضروا بالوحدة الترابية للبلاد وحاولوا تقويض أمنها، وتطاولوا على مؤسساتها ورموزها.
ولأول مرة، واستنادا إلى ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية “فرانس براس”، فإن الوفد المرافق لوزير العدل الفرنسي إلى الجزائر، سيضم قضاة رفيعي المستوى، على غرار لوريلين بيرفيت، مديرة الشؤون الجنائية والعفو في وزارة العدل، وفانيسا بيري، المدعية العامة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة، وباسكال براش، المدعي العام الوطني للشؤون المالية.
وأفاد المصدر ذاته أن “الهدف من هذه الرحلة هو العمل على فتح فصل جديد من التعاون القضائي بين بلدينا”.
وقبل نحو شهر من الآن، اتهم الطرف الجزائري نظيره الفرنسي بعدم احترام اتفاقيات التعاون الثنائي في مجال القضاء، وكشف عن وجود 61 إنابة قضائية وجهتها الجزائر لباريس، من أجل تسليم مطلوبين للعدالة تورطوا في نهب المال العام، وصدرت بحقهم قرارات نهائية من العدالة الجزائرية، كما انتقدت تمديد سجن الموظف القنصلي الجزائري، المحتجز في فرنسا خارج الأعراف الدبلوماسية والقنصلية والاتفاقيات الثنائية ذات الصلة.
وتكشف تشكيلة الوفد المرافق لوزير العدل الفرنسي في هذه الزيارة، عن وجود ما يمكن اعتباره مؤشرات على توجه ما لدى باريس من أجل العمل في اتجاه الانشغالات التي رفعها الجانب الجزائري. فوجود مسؤول في صفة “المدعي العام الوطني للشؤون المالية”، الذي يندرج ضمن اختصاصه معالجة قضايا الأموال المكتسبة بطريقة غير قانونية، وكذا “مديرة الشؤون الجنائية والعفو في وزارة العدل”، يقودان إلى الاعتقاد باقتناع الطرف الفرنسي بضرورة إقلاعه عن سياسة الهروب إلى الأمام في مثل هذه المسائل التي تؤثر على العلاقات الثنائية.
يرى محمد خوجة، وهو مدير سابق لمعهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ”جامعة الجزائر 3″، أن طبيعة الوفد المرافق لوزير العدل الفرنسي في زيارته إلى الجزائر، والذي ضم مسؤولين من مديريات مركزية بوزارة العدل، تكشف بوضوح البعد التقني والعملي لهذه الزيارة “.
وبرأي أستاذ العلاقات الدولية، في تواصل مع “الشروق”، فإن هذه الزيارة “لا تندرج فقط ضمن الإطار البروتوكولي، بل تعكس إرادة سياسية لإعادة تفعيل وتحيين آليات التعاون القضائي، خاصة في مجالات مكافحة الجريمة المنظمة، وتبييض الأموال، واسترجاع الأصول المنهوبة. وغالباً ما يشير حضور هذا المستوى من الإطارات الإدارية، إلى نية الطرفين في مراجعة الاتفاقيات القائمة، أو إبرام مذكرات تفاهم جديدة، تُؤطر التعاون القضائي وفق مقاربات أكثر فعالية، وتكيفا مع التحديات الراهنة”.
ويتقاطع هذا التوجه، وفق محمد خوجة، مع مصلحة الجزائر في متابعة ملفات الفساد المرتبطة بفترة الحكم السابقة، والتي صدرت بشأنها أحكام قضائية نهائية وإنابات دولية لتنفيذها. كما يكتسي هذا التعاون أهمية خاصة، في ظل تواجد بعض المتهمين على التراب الفرنسي، على غرار الوزير السابق عبد السلام بوشوارب، الذي تطالب الجزائر بتفعيل آليات التعاون القضائي الدولي، لتنفيذ الأحكام الصادرة بحقه، بما يعزز مصداقية مسار مكافحة الفساد واسترجاع الأموال العمومية.
ورغم الطابع المتقلب الذي يميز العلاقات الجزائرية الفرنسية، يقول أستاذ العلاقات الدولية، بفعل ثقل الذاكرة التاريخية واستمرار توظيفها في السياقات السياسية الداخلية، إلا أن “هذه العلاقات، تظل محكومة أيضا، بعوامل بنيوية أكثر ثباتاً، ويتمثل أبرزها في الترابط البشري العميق الذي تجسده الجالية الجزائرية في فرنسا، بما تحمله من امتدادات اجتماعية واقتصادية وثقافية، تجعل من إدارة العلاقة بين البلدين مسألة تتجاوز الاعتبارات الظرفية، نحو ضرورة بناء آليات تعاون مستدامة، قادرة على احتواء التوترات وضمان استمرارية المصالح المشتركة”.
وتشير هذه الزيارة، يقول المتحدث، إلى أهمية “التعاون في المجال القضائي كأحد الملفات ذات الأولوية، بالنظر إلى الكثافة الديموغرافية للجالية الجزائرية في فرنسا، وما يترتب عنها من تشابك قانوني وقضائي متزايد”، وهو الملف الذي يجعل من “التنسيق الثنائي ضرورة موضوعية لا غنى عنها، خاصة لمواجهة التحديات المرتبطة بحركية تنقل الأشخاص وما تفرزه من إشكالات عابرة للحدود، لا سيما في اتجاه الهجرة من الجزائر نحو فرنسا”.
وتبقى مخرجات هذه الزيارة حاسمة في عودة العلاقات الثنائية على دينامياتها المفقودة، لأن الطرف الفرنسي أبان في حالات سابقة عن عدم جديته في التعاطي بإيجابية مع الانشغالات الجزائرية، مقابل التركيز على الملفات التي تهمه، مثل قضية كريستوف غليز المدان بحكم نهائي، بدليل عدم تعاونه في 61 إنابة قضائية تتعلق بنهب مال الشعب الجزائري، واستهداف أمن بلاده ووحدته الترابية.