الرأي

هل كانت الصين ستساعد إفريقيا لو لم تضمن أمنها الفكري؟

د. عمر هارون
  • 789
  • 0

الصين التي تعهدت في آخر قمة لها مع إفريقيا باستعدادها لاستثمار 51 مليار دولار في القارة التي يفوق عدد سكانها 1.2 مليار نسمة، فقدت في النصف الثاني من القرن الماضي 30 مليون مواطن بسبب أكبر مجاعة في التاريخ الحديث، وهي المرحلة التي جعلت المطبخ الصيني يستعمل كل الحيوان والحشرات المتحركة فوق الأرض وتحته كمكونات لصناعة الطعام.

فشدة المجاعة جعلت الصينيين يأكلون كل شيء وأي شيء حتى لا يموتوا جوعا، نظرا لخلل في السياسة المنتهجة في تلك المرحلة والتي فصلت المناطق الصناعة عن الزراعية، وطلبت من هذه الأخيرة ضرورة توفير الطعام للمناطق الصناعة، لكن فشلت المناطق الزراعية في توفير الكميات اللازمة وأخفى المسؤولون المحليون هذه الحقيقة عن السلطات العليا من خلال إرسال كل الكميات المنتجة للمناطق الصناعة، ففقد الغذاء في المناطق الزراعية وفقد المزارعون القدرة على العمل والزراعة فنفدت المواد الغذائية من ربوع الدولة.

الصين 40 سنة من المجاعة إلى الريادة !
الصين التي تعتبر اليوم ثاني أقوى اقتصاد عالمي بحوالي 19 ترليون دولار بقية تبعات المجاعة إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي، لكنها استطاعت أن تحقق قفزة نوعية في فترة قصيرة تتراوح بين 30 إلى 40 سنة، عمل فيها الصينيون بصمت لكن بجد كبير للخروج من أزمة المجاعة وأزمات أخرى ألمت بهذا البلد، وضحى الجميع في الصين حتى ينهض التنين من سباته، بلحمة قل نظيرها في العالم، وكان الأمر بحق درس لكل من يرى أن النهضة مستحيلة أو بعيدة المنال خاصة أن الصين كما يعلم الجميع فقيرة جدا من ناحية المواد الأولية والموارد الطبيعية التي تعتبر أساس كل نهضة، بل أن وطنية الصينيين جعلت كل طلبتهم في الجامعات الغربية يجتهدون في ترجمة كل ما يصدر في الغرب وينقلونه إلى بلدانهم الأصلية، وينسحب الأمر كذلك على الاختراعات والابتكارات التكنولوجية من خلال ما يعرف بالهندسة العكسية، فحققت الصين معجزة جعلتها على بعد سنوات من أن تتربع على عرش الاقتصاد العالمي، خاصة بعد أن أصبحت تحقق قفزات كبيرة في مجال الصناعات العسكرية وصلت لدرجة منع شركاتها من التواجد في الأراضي الأمريكية.

الأمن الفكري أساس الطفرة الصينية
سيطرة الغرب على العالم المتقدم كان في الأساس من خلال الاحتلال الثقافي، فحين يقنعك الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أن تحضرك مرتبط بالهاتف الذي تحمله أو اللباس الذي تلبسه أو في إتباع الموضة التي يبتكرها الفنان الفلاني أو العلاني فهذا يعني أنك أصبحت رهينة لما يقدمه لك الآخر، ودخلت في عبودية الاستهلاك التي تمكن الغرب من تحويلك لآلة تستهلك دون أن تسأل وتتبع دون أن تفكر وتنفذ دون أن تفكر، وما ساعد في ذلك طبعا ودون منازع تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في حياة المجتمعات، عدى المجتمع الصيني، فالسلطات الصينية تفطنت للأمر مبكرا ومن منطلق اقتصاديات الحجم جعلت للصينيين مواقعهم التي يلجون إليها، فتمكنت من السيطرة على المحتوى الذي يتابعه أكثر من مليار صيني، فكان الأمر محفزا لهم ليحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم ومبادئهم، ولم يتمكن أحد من أن يوسوس لهم باستحالة تحقيق النهضة، أو بأن الحكومة التي صنعت المجاعة خائنة ولن تستطيع صناعة المجد أو أن الهجرة هي الحل.

إفريقيا قوة نائمة هل تستيقظ؟
إن إفريقيا شعوبا وثروات تصنع مجد الاقتصاديات العالمية من خلال الخيرات المادية والبشرية التي تصدرها إلى كل أصقاع العالم، وتبقى في المنطقة أطماع حقيقة للقوى العالمية، خاصة بعد أن عاش الأفارقة ويلات الاحتلال المباشر من الأوروبيين الذين استغلوا المنطقة أبشع استغلال، سواء من خلال استخدام الأفارقة في الحروب العالمية أو استعمال خيرات هذه القارة في تطوير الصناعة العالمية وصولا لاستغلال الأراضي في التجارب النووية كما هو الحال في الجزائر، لكن الواقع اليوم تغير وترغب إفريقيا في أن تكون محور للتنمية وشريك حقيقي للآخرين، لكن هذه الإرادة تسرعان ما تصطدم بغزو ثقافي واحتلال فكري من خلال مواقع التواصل الاجتماعي يحاول أن يقنع الشاب الإفريقي أن كل المحاولات الجادة المبذولة على مستواه من خلال من يديرون الشأن العام في بلده لا معنى لها وما هي إلا محاولات لذر الرماد في العيون !

حتى أمريكا أسكتت “تيك توك” و”تليغرام”
حين نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية حظرت منصت “تيك توك” على أراضيها رغم أنها بلد الحرية ولا شيء تقريبا يمكن أن يهددها، فهذا يعني أن الغزو الثقافي والفكري ليس وهما أو مجرد هلوسات بل حقيقة وواقع، والسيناريو الآن ينسحب على منصة “تيليغرام” المعروفة بعدم خضوعها هي الأخرى لأجندة الغرب، فتم حجز مالكها الروسي بتهمة أنها حرة أكثر من اللازم، رغم أن الفرنسيين الذين يتهمون مالك “التيلغرام” لم يتركوا كتابا سماويا لم يعتدوا عليه في افتتاح الألعاب الأولمبية الأخيرة بحجة الحرية طبعا، ومنه نجد أنفسنا أمام عالم خنقته الأجندات التي تعمل بطرق مدروسة لغزو العقول والأفئدة مستعملة في ذلك بروباغندا تستطيع أن تقنعك بأي شيء تريده في أي وقت تريده، وهو صميم الحروب الجيل الخامس من خلال ما بات يعرف بالهندسة الجماعية التي تهدف لغزونا فكريا.

هل الجزائر استثناء ؟
يستحيل أن تكون الجزائر بحضورها الجيواستراتيجي ومكانتها التاريخية والحالية بعيدة عن حروب الجيل الخامس، والمتابع لحركية محتوى مواقع التواصل الاجتماعي سيتأكد بما لا يدع مجالا للشك مما أقول، فكثيرة هي القضايا التي أصبح فيها للشباب رأي واحد رغم أن الواقع والحقيقة عكس ما اتفقوا عليه، والمتابعة لاتفاقهم سيجده نتيجة لحملات مركزة من أطراف غير معروفة تسوق لفكرة واحدة بطرق مختلفة من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، ولا يمكن أن نلوم شبابنا إن وقعوا تحت تأثير هذه الحملات، بل يجب أن نجد سياسة دفاعية وربما هجومية لما أصبح يبث لنا عبر هذه المواقع، فليست الصين ولا أمريكا أحسن منا، وها هي تمنع وتعاقب كل من يحاول أن يتلاعب بالأمن الفكري وإن تطلب الأمر المنع والذي سيكون بمثابة الكي الذي يعتبر آخر علاج ممكن، وحاليا وجب أن يتم تنصيب مركز وطني لمتابعة ودراسة مثل هذه الهجمات الفكرية المنظمة التي يتعرض لها الجزائريون خاصة الشباب منهم والتفكير في كيفية الرد عليها،هجمات تحاول أن تشوه في نظر الشباب أي تقدم أو نجاح تحققه الجزائر، من خلال تقزيم العظائم وتعظيم الهفوات والعثرات، فكل شيء يمكن تسويقه ما دامت الموارد التي يعتمد عليها طيور الظلام لا نهائية، لكن لا يعقل أن يبقى هؤلاء وأذنابهم دون عقاب، خاصة أنهم يحاولون تدمير أكبر مواردنا، إنهم يحاولون تكسير الشباب ولن ينجحوا بإذن الله.

مقالات ذات صلة