الرأي

.. هل كذب جمال عبد الناصر؟

محي الدين عميمور
  • 1291
  • 0
أرشيف
الرئيسان الراحلان الجزائري هواري بومدين والمصري جمال عبد الناصر

للمرة الثانية في أقل من نصف عام نقرأ عن تسريبات لتسجيلات صوتية للرئيس المصري “جمال عبد الناصر”، هدفها الأول، في نظري، إثارة الشكوك حول التضامن العربي في الصراع مع العدو الصهيوني.

وكنت أشرت في حديث سابق إلى ما أتصور أنه عمليات ممنهجة تستهدف تدمير الروح المعنوية للأمة وخصوصا في مستوي الشباب، وذلك عبر الإساءة للشخصيات التاريخية التي ألفنا الاعتزاز بها.

وذكرت بمن “راح يهزأ بأسطورة صلاح الدين الأيوبي، وتابعنا من يتطاول على شخصيات كانت رصيدا وطنيا للأمة مثل جمال عبد الناصر ومن ينفي صحة أحداث تاريخية مثل معركة “نوارين” البحرية عام 1827، وتغوّل الطابور الخامس فوصل الأمر إلى حدّ التشكيك في عدد شهداء المقاومة والثورة الجزائرية بل وفي صحة الأحاديث النبوية”.

والملاحظة الأولى عن التسريب الصوتي للرئيس المصري الراحل توحي بأن توقيت بث التسجيلات ليس بريئا، فقد تم مرتين في تاريخ محدد لكل منه معناه، وكان الأول هو ذكرى حرب جوان 1967، التي يشير لها جنرالات المقاهي بأنها “نكسة” عبد الناصر، وكان الثاني هو ذكرى وفاة الرئيس المصري في 28 سبتمبر.

وسيكون من السذاجة ألا أتصور أنه أمر مقصود، وهو ما كنت أشرت له منذ عدة شهور في إطار حديثي عن السيادة على جزيرتي “تيران” و”صنافير”.

يومها كنت عرضت تصوري المتواضع للأمر، وقلت إن السيادة المصرية على الجزيرتين تعني أن مضيق تيران هو مياه إقليمية مصرية، ويمكن أن نجد مبررا لإغلاق المضيق في 1967 باعتبار وضعية العداء مع الكيان الصهيوني، أما إذا كانت السيادة على الجزيرتين لغير مصر فإن المضيق يعتبر مياها خارج السيادة المصرية، وإغلاقه اعتداء على المياه الدولية، وفي هذا تجريم للرئيس عبد الناصر.

وأعتقد شخصيا أن التسريب المتعلق بتصريح الرئيس المصري استعمل أسلوب “ويل للمصلين”، فلم يكمل الآية بجملة : “الذين هم عن صلاتهم ساهون”، وذلك لسبب بالغ البساطة، هو أن الرئيس المصري، الذي كان من أهم رموز العداء ضد الكيان الصهيوني، هو زعيم سياسي مرموق، ومهما كانت الأخطاء التي تنسب له فإنه لا يُعقل، منطقيا، أن يكون من بينها أنه لا يعرف ما يجب أن يُصرّح به، سواء علنا أو في لقاءاته مع نظرائه، وهكذا يقول ما يتناقض مع ما يقوله رجله الإعلامي الأول الأستاذ “”محمد حسنين هيكل، خصوصا وكل متابع للأحداث السياسية يعرف ما قدمته الجزائر في الصراع العربي الإسرائيلي من أسلحة ومعدات، مع المساهمة الفعلية في ميدان القتال، وذلك باعتراف مجرمي الحرب الجدد، وذلك إلى جانب المساهمة المالية الجزائرية، وقصة التلاسن مع القيادة السوفيتية في موسكو معروفة.

ومن هنا كتبت في 10 يونيو الماضي لأوضح بعض ما فُهم من التسريب السابق، وهو ما لم يتناقض مع ما كان رواه الأستاذ هيكل، وكان مضمون ما قلته:

في حدود ما أتذكره، فإنه في ساعة متأخرة من مساء يوم الكارثة، أو على الأصح، في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي بالنظر إلى فرق التوقيت، وبعد متابعة قلقة لوسائل الإعلام العالمية التي تناولت الأحداث، طلب الرئيس “هواري بومدين” الحديث هاتفيا مع الرئيس عبد الناصر.

ولاحظ بو مدين أن صوت ناصر كان يبدو واهنا ومضطربا، بحيث قال بأنه أبلغ تفاصيل الموقف للبشير الإبراهيمي (وكان يقصد السفير الأخضر الإبراهيمي وليس البشير الإبراهيمي الذي كان قد توفاه الله) وهنا تزايد قلقه، فطلب على الفور الاتصال بالسفير الجزائري في مصر الذي كان هو نفسه يحاول الاتصال بالجزائر (وكانت الصورة التي سمعها الرئيس من الإبراهيمي صورة قاتمة لم يكن أحد يجرؤ على تصديقها).

وقال عبد الناصر لبومدين إن ما حدث كان ضربة ساحقة دمرت مئات الطائرات المصرية على الأرض، وهو ينتظر من الجزائر أن تمده بما تستطيع من الطائرات والطيارين.

وكان الردّ الفوريّ هو أن الجزائر ستضع تحت تصرفه كل ما تملكه من طائرات، لكن بومدين أوضح للرئيس المصري، بدون تهرّب وبكل صراحة أخوية، أن الطيارين الجزائريين قد لا يملكون الخبرة الكافية لمواجهة الطيران الإسرائيلي فوق طوبوغرافيا مجهولة بالنسبة لهم، وبدون سابق تدريب أو إعداد (وكان الأمر سيختلف لو كان هناك تنسيق مسبق قبل شهور وشهور).

ثم أوفد الرئيس الجزائري “عبد العزيز بوتفليقة” وزير الخارجية إلى القاهرة يوم 7 جوان على متن طائرة جزائرية خاصة، ليعود معه إلى الجزائر، وعلى نفس الطائرة، عدد من الطيارين المصريين لاستلام الطائرات الجزائرية (كانت أول دفعة من 14 طائرة).

كان ذلك ما قلته، وأعترف بأنني لم أتوقف عند التسريب الثاني، الذي يرتبط بحوار للرئيس المصري مع الرئيس الموريطاني “مختار ولد داده”، لمجرد أنني أحسست بأنه يندرج في نفس إطار التسريب الأول، وفضلت أن أحاول تحليل الأمر كله، لأنني رأيت هذا أكثر أهمية.

وكان الاستنتاج الذي وصلت له هو أننا نعيش عملية توزيع أدوار هدفها إعداد الجو المناسب لتنفيذ ما اصطلح على الإشارة له بمشروع “ترامب”، وهو في واقع الأمر مشروع “نتنياهو”.

ويقوم بالدور الأول تحرك إعلام عربي هدفه تشويه كل القيادات العربية التي وقفت وتقف ضد المشروع الصهيوني، بمن فيهم عبد الناصر وبو مدين والملك فيصل وغيرهم، وزرع الإحباط على مستوى الشارع العربي الذي يراد له أن يصل إلي ترديد تعبير نُسِب يوما للزعيم المصري سعد زغلول، الذي رُويَ أنه قال: “غطيني يا صفية، ما فيش فايده”.

ويشمل هذا الدور الإساءة إلى الجزائر على وجه التحديد، وخصوصا بعد موقفها في مجلس الأمن الذي فضح إسرائيل، وهو ما نجده في بعض المواقف العدائية حولها، والتي قيل أن المال العربي يلعب فيها دورا أساسيا.

ولا أجد حاجة لتواضع مفتعل يتجاهل بأن موقف الجزائر يزعج قيادات ترقص على الطبول الإسرائيلية، وتلقت التعليمات من السيد ترامب بالترويج لمشروعه الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائيا، وتنصيب السيد “توني بلير” حاكما لغزة ليقوم بنفس الدور الذي قام به “بول برايمر” في العراق بعد الاحتلال الأمريكي.

وهدف هذا الدور أن تفرض على الجزائر، بشكل خاص، عزلة شعبية عربية إسلامية ناتجة عن ترديد الأكاذيب حولها والتشكيك في مواقفها.

والمطلوب من كل ذلك هو جعل التطبيع قضاء وقدرا لا مفر منه إلا إليه.

الدور الثاني والذي يستهدف مواجهة عزلة إسرائيل الدولية التي أصبحت واقعا بدأ يُدمّر ما أشاعته إسرائيل عن نفسها من مظلومية كاذبة، ونجده في الهجمة المحمومة التي تقوم بها الأفلام الصهيونية الآن في التلفزة الأوربية، والتي تهدف إلى صرف النظر عن جرائم الصهاينة في غزة الشهيدة على وجه الخصوص، وإحياء عقدة الذنب التي تضاءلت مؤخرا عند الأوربيين بالإلحاح على ترديد أسطوانة “الهولوكوست” المزعوم، وتذكيرهم بما لاقاه اليهود من قتل وتشريد في أوروبا وليس في ألمانيا وحدها، وهو أمر لا يُنكر إذا وضع في حجمه الحقيقي.

الدور الثالث بدأت تقوم به أموال هائلة في أمريكا على وجه الخصوص لإحياء خرافة معاداة السامية، ويشمل التضييق على الآراء الحرة وخصوصا تلك التي تعبر عنها الجامعات، والهدف المباشر هنا هو الحيلولة دون عودة نفس الضغط الشعبي الأمريكي الذي أوقف حرب فيتنام، وحَرَم “ليندون جونسون” من التقدم لولاية ثانية.

الدور الرابع تقوم به المؤسسات المالية التي تحركها واشنطن لإغراق بعض الدول العربية الكبرى بالديون الباهظة لتضطر إلى التخلي عن دورها التاريخي الرائد، ولا يُكتفي منها بقبول التطبيع بل يُفرض عليها أن تكون داعما فعليا للكيان الصهيوني، وليس مجرد متهاون في دعم الجهاد الفلسطيني.

والدور الخامس تقوم به الآن وسائل التواصل الاجتماعي، تعتيما على كل محاولة لفضح الجرائم الصهيونية، ويتم لك بحظر كل المنشورات التي تتضامن مع الكفاح الفلسطيني أو تندد بالجرائم الصهيونية، ومنها ما عُرف مؤخرا بأن إدارة “اليوتيوب” أغلقت موقع الوفد الجزائري في نيويورك للتعتيم على جهود وفدنا هناك.

باختصار شديد.. أرى أن قضية تسريب النص المشوّه لعبد الناصر هي جزء من مخطط دولي واسع النطاق تعمل على تحقيقه قيادات الشمال النصراني – العبري بالتعاون مع عدد من القيادات العربية الإسلامية، ومنها من خدعنا طويلا بها، وهو مخطط رُصد له حجم هائل الأموال، وربما من الأموال العربية بكل أسف، والهدف الاستراتيجي للمخطط هو سحق الإرادة العربية والإسلامية إلى الأبد.
ويتضح اليوم بأن مُخرج المسرحية المأساوية واحد، والممثلون هم في وضعية “كومبارس” فيلم مصري قديم، لا يملكون من أمر أنفسهم شيئا.

ومفتاح الصمود الذي يُعدّ للمواجهة الفعالة هو في يد “حماس”، أحب من أحب وكره من كره”، وكل محاولة لتدميرها هي استعادة أكثر مأساوية لمأساة الأندلس، وتكرار أكثر بؤسا لمصير “الهنود الحمر” في العالم الجديد.

الكلمة الأخيرة: قلوبنا معلقة بتحرك أسطول الصمود، وهو الامتحان الأخير للضمير الدولي.

مقالات ذات صلة