هل لازالت الحرية أولا…؟
فهم البعض الحرية على أنها معارضة النظام السياسي وإسقاطه.. أو أنها ملاحقة الفساد في الحكم والثورة ضده. ويفهم البعض ان الحرية هي طرد الاستعمار المسلح وأعوانه كأشخاص وطبقات.. ويتمدد معنى الحرية إلى جوانب ثقافية وسلوكية في كسر الطابوهات والتفلت من اي قيد على صعيد حقوق المرأة وموقعها في النسيج الاجتماعي.. وظهرت اصناف متنوعة من الناس يقف بعضها مع هذا المعنى من الحرية، فيما هو يمارس عكسها في مجال آخر.. وتحت شعار الحرية -وهي قيمة مقدسة- والمطالبة بأحد عناوينها تنتهك حرمات وتهدر امكانيات كان بالإمكان المحافظة عليها فيما لو التقى الرشد بحسن النية والتدبير والوعي الاستراتيجي الذي يشمل فهم ما يخططه الآخرون لأمتنا.
باختصار إن المصطلح يحتاج إلى تدقيق وتأصيل مفاهيمي وتعميم إلى درجة يصل فيها إلى موقع الوضوح والتبيان بين الناس لمعرفة حدود الحرية، حيث ترتقي قيمة أخرى في المشهد لا يلتفت إلى الحرية بدونها انها المسئولية تجاه الأشخاص والمجموع، فلا قيمة للحرية بلا مسئولية ولا مسئولية بلا وعي .. لابد من تبيان أمر الحرية على ان يكون الارتقاء بالشأن الإنساني ومطاردة العنصرية بكل أشكالها هو المنطلق في تحديد المصطلح.
في اكثر من مكان من وطننا العربي ينساح الدم وتشحن المجموعات البشرية بما يسكن الروح والقلب من انكسارات وتعب؟ لن نتردد ان نؤكد مع كل القائلين بأن المطلوب بلا شك الحرية أولا وثانيا وأخيرا.. ولكن أية حرية؟ فمن المؤكد ان هناك تحديدات تميز بين نوع وآخر في الحرية، ولعله لابد من معرفة مساحات وانواع الحريات التي تتناسب مع الزمان والمكان.. يبدو أن هذه إشكالية واجهت الفكر العربي في مراحله الأخيرة بشكل ملح، ولعل هذه الإشكالية تكون أحد الأسباب المباشرة فيما يحصل في بلداننا العربية، اذ ان كل نتائج الدعوة إلى الحرية في بلداننا انتهت إلى ما يشبه المأساة.. وهكذا تصبح القيم الكبيرة محل التساؤل والتشكيك، وليس أخطر من ذلك شيء على منظومة قيمنا الحضارية.. ذلك لأننا لم نعرف تحديدا معنى الحرية فأطلقناها عبثا في كثير من الأحيان فدفعنا اثمانا باهظة من اجل تخيلات وهمية لا قيمة لها ولا امكانية.. وها نحن نرى عامة الناس يتنازلون بسرعة عن الحرية من اجل لقمة الخبز وأمنه.. ويبدو ان الاندفاع نحو الحرية هي وصفة أريد من خلالها تحطيم فرصة كثير من الحريات.
هناك حريتان، واحدة تخص الفرد، والثانية تخص المجتمع، لابد من الانطلاق منهما، لأنهما تشكلان قاعدة التماسك الاجتماعي وتؤسسان لعلاقات انسانية محترمة ترتقي بالشخص إلى مستوى الإنسان، وبالمجتمع إلى مستوى الانسانية.. الحرية الفردية هي حرية الاعتقاد التي لابد ان تكون مصانة، ولا يتم الاقتراب منها بعدوان أبدا، ويتبع حرية الاعتقاد حرية الرأي.. واما الحرية الأخرى التي لابد ان تتجلى في المجتمع على اعتبار انها حق مصان له لا ينبغي التلاعب بها ولا السطو عليها هي حريته في الاختيار السياسي والاقتصادي وذلك بدون ضغط او خديعة.. انها الحرية الكافلة بتوفير افضل الشروط لاستقرار المجتمع وتقدمه الحضاري..ت ولانا الله برحمته.