العالم
اللجنة الكبرى المشتركة الجزائرية التونسية

هل ما يتمنّاه هذا يدركه ذاك؟

الشروق أونلاين
  • 2890
  • 6
ح.م

يأتي إحياء ذكرى الهجوم الذي شنته الطائرات الفرنسيّة على قرية ساقية سيدي يوسف يوم 8 فيفري 1958، متجاوزًا لعمق التاريخ ورمزيّة الدماء المشتركة التي سالت حينها، لينبني على ضرورات الحاضر من جهة وتحديات المستقبل.

ضرورات وتحديّات كانت على جدول أعمال الدورة التاسع عشرة للجنة الكبرى المشتركة الجزائرية التونسية، التي اختتمت أشغالها يوم السبت الفارط في تونس، حين كان على الطرفين حلّ الإشكالات (التقليديّة) القائمة منذ سنوات أو هي عقود، وكذلك أخرى جاءت بفعل الوضع (الأمني خصوصًا) سواء على الحدود بين البلدين أو الوضع الإقليمي بصفة أعمّ.

المطالع للبيان المشترك، يلحظ دون شكّ ربطا عضويا، بل هو ضمن صيغة تلازم البعدين الأمني والتنموي، حين أكّد الطرفان على ضرورة “تثمين مستوى التعاون القائم بينهما في المجال الأمني والعسكري” وعلى “صبغته الإستراتيجية” مع الدعوة إلى “مواصلة المشاورات الثنائية بخصوص مشروع الاتفاق في المجال الأمني”، مع اتفاق على “اعتماد العناصر المرجعية المنبثقة عن اجتماع اللجنة الجزائرية – التونسية لتنمية المناطق الحدودية”.

البيان أعلن كذلك “تحديد الفاتح من مارس المقبل لدخول الاتفاق التجاري التفاضلي الموقع بين البلدين حيز التطبيق، وهو الإجراء الذي من شأنه إعطاء دفع هام للمبادلات التجارية ودعم الشراكة والتكامل الاقتصادي بينهما”. 

يمكن الجزم دون أدنى نقاش، أنّ اللجنة مسّت عصب العلاقة بين البلدين من خلال المستويات الأمنيّة والتنمويّة والاقتصاديّة، إضافة إلى النقاط الأخرى الواردة ضمن البيان، لكنّ السؤال قائم حول قدرة المرور بهذه الاتفاقيات من مجال النصّ إلى مستوى التطبيق، حين شهد تاريخ هذه اللجنة، انتكاسات عديدة وعدد قليل من الإنجازات.

يجزم المراقبون على أنّ الوضع الحالي على الحدود، وكذلك على المستوى الإقليمي، تجاوز بكثير ما كان قائما ـ إلى حدود سقوط نظام بن علي ـ من ثوابت مؤكدة وخلافات مزمنة، حين كانت المعادلة “ثنائيّة” في جانبها الغالب، لتنفتح راهنًا على “متغيرات” تزعج في أغلبها الطرف الجزائري كما الطرف التونسي.

من الأكيد كذلك أنّ الجزائر ستتكفّل بالجانب الأعظم إنّ لم نقل مجمل الاستثمارات الضروريّة لإحياء المناطق الحدوديّة، بل يأمل الجانب التونسي أن تتجاوز استثمارات “الشقيقة الكبرى” منطق “المشاريع المحدودة” إلى شبكة كاملة تغطّي كامل “الظهير” التونسي، الذي لم ينل أبدًا الحدّ الأدنى من البنية التحتيّة أو الاستثمارات على غرار “الوجه” التونسي البحري.

أبعد من اللجنة الكبرى المشتركة وأعمق من “المشاريع الحدوديّة”، يأمل الجانب التونسي الذهاب بالتعاون مع الجزائر إلى صيغة تشاركيّة كاملة، تتحوّل من خلالها الاستثمارات الجزائريّة إلى أحد أهمّ المحرّكات التي تقود الاقتصاد المحلّي، حين تبيّن للحكومات التي تعاقبت على قصر القصبة في تونس، أنّ وعود دول الخليج لم تتجاوز مستوى “الوعود”، وأوروبا صارت إلى “بخل” شديد، عاجز عن توفير الحدّ الأدنى المطلوب.

في المقابل، لا ترى الجزائر المسألة من منظار اقتصادي بحت، ولا تنظر إلى الاستثمارات في بعدها الكمّي الصرف، بل تضع الجزائر المعادلة على قاعدة “الاستقرار” أوّلا وأخيرًا، ليكون البحث التطبيقي عن المسألة “النظريّة” التي وضعها بيان اللجنة المشتركة، حين تمّ الربط بين البعدين الأمني والتنموي والاقتصادي.

لا اختلاف بين الطرفين على مستوى القراءة أو التشخيص، لكنّ الإشكال قائم على مستوى “سخونة” الوضع القائم في تونس ومدى قدرة المنظومة الأمنيّة والعسكريّة في تأمين حدّ أدنى من الاستقرار الداخلي، وكذلك ـ وهذا الأهمّ بالنسبة للجزائر ـ ما مدى استقرار السلطة، حين أتت حكومة المهدي جمعة “مؤقتة” رغم أنّ الإعلام لا يذكر الأمر كثيرًا.

مقالات ذات صلة