الرأي

هل من حق المجتمع أن يصنع قيمه الأخلاقية؟

بقلم: محمد ذياب
  • 734
  • 0

لو وضعنا هذا السؤال ضمن استبيان واسع الانتشار بين الناس فأغلب الظن أن كلمة “نعم” ستملأ الخانات المقابلة لهذا السؤال، مع أنه لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال المفارقات التي لا يقبلها العقل الصريح، لكن يبدو أن كثيرا من البشر يقبل مثل هذه المغالطات ويدافع عنها، لا لصوابها وصحّتها، بل لأنها توافق هواه “وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”. إن مقدّمة السؤال مختلفة تماما عن تاليه، فحين نطرح السؤال بصيغة: “هل من حق؟” فنحن نقوم باستدعاء التحكيم، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، واستدعاء التحكيم يقتضي ضمنا أن هناك مشتركا قيميا يؤمن به المتحاكمون قبل اللجوء إلى التحكيم، أو بعبارة أخرى إن استدعاء التحكيم معناه الإقرار بأن الأخلاق سابقة على المجتمع.

من جهة أخرى، حين نكمل السؤال بعد أن أجبنا عليه في مقدمته، فنحن نتورّط في مغالطة أخرى هي “المصادرة على المطلوب” إذ نجعل النتيجة مقدّمة ونجعل المشكلة حلا ونجعل الدعوى دليلا وهو ضربٌ من الحجة الدائرية، والاستدلال الدائري يُستخدم في العادة لكي يموِّه على فشلٍ في حمل عبء البرهان، وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجةُ المراد إثباتها مفترضةً أصلًا داخل المقدّمات التي يتعين على الخصم أن يُسلِّم بها ويبدأ منها، وبهذه الطريقة يختفي الجواب باختفاء السؤال ويسقط الجميع في العدمية والنسبية الأخلاقية.

لقد وقعت الحداثة العلمانية في فخّ هذا السؤال حين جعلت من حق المجتمع أن يصنع الأخلاق، وأصبحت الأخلاقُ مسألة ديمقراطية، بإمكان المجتمع أن يُنتجها من خلال الثقافة وأن يحسم الخلاف حولها عن طريق البرلمان ومن خلال الاقتراع والتصويت، وبهذه الطريقة أختفى المقدَّس والمحرَّم والثابت وصار بإمكان الناس من خلال النضال المجتمعي والسياسي أن يبدّلوا ويغيّروا قيم المجتمع رأسا على عقب مادام من حق المجتمع أن يختار أخلاقه وما دامت الديمقراطية هي أفضل أداة للتعبير عن هذه الإرادة، وبوصول المجتمع العلماني إلى هذا المستوى من السيولة الأخلاقية صار من الممكن التصويت على قوانين تحمي المثلية والمثليين، وقوانين أخرى تبيح الإجهاض من دون قيد أو شرط وقوانين تبيح تناول المخدرات بعد أن تغيّر تسميتها، وقوانين تبيح القمار والمضاربات بعد أن يُتّفق على تسميتها “استثمارا”، ومن حق مجتمع ما أن يقرر إبادة مجتمع آخر بمجرد رفع الأيدي في البرلمان كما كان يحدث في الحملات الاستعمارية الغربية لإبادة واحتلال شعوب العالم بطريقة ديمقراطية، بل قد يصل الأمر بالنسبية الأخلاقية إلى أن يتغيّر تصوُّر الناس حتى لمعنى المِلكية ومعنى البيع والشراء ومعنى النقود، فلا عجب أن تبادرنا الأخبار أن الناس أصبحوا يتهافتون على شراء أراض وعقارات افتراضية في عالم “الميتافيرس” لاتوجد تماما في الواقع، لأن العالم الحقيقي لم يعُد يتسع لإشباع نهمهم المسعور إلى القمار غير المحدود.

عندما أطلّ التحديث بعلمانيته التنويرية مع بداية القرن السابع عشر خشي كثيرٌ من المفكرين أن ينتهي الأمر بالمجتمع الحديث إلى الظلام الأخلاقي مع بروز الفلسفات النفعية ذات الطابع الذاتي المبهم. تعتبر عبارة توماس هوبز التالية من أقدم العبارات التي تبيح للمجتمع خلق قيمه بشكل ذاتي دون الرجوع إلى أي مصدر مفارق إذ قال: “كل إنسان من جانبه، يسمِّي ما يسرُّه خيرا، وما يُحزنه شرا، وبمقدار ما يختلف كل إنسان عن غيره في التكوين، فإنه يختلف عنه أيضا فيما يتعلق بالتفرقة العامّة بين الخير والشر؛ فليس هناك ما يُسمَّى بالخير المطلق منظورا إليه بغير علاقةٍ بأحد… فنحن نطلق كلمة “الخير” أوالشر” على الأشياء التي تسرُّنا أو تحزننا”. هذه العبارة تكررت بالتناصّ عند جيرمي بينتام وعند معظم الفلاسفة الغربيين وأصبحت النفعية هي المعبِّر عن روح الحداثة العلمانية والمشرِّع الجديد للفكرة القائلة إن: “القيم ذاتية، لأنها تجعل الخير والشر معتمدين على الشعور باللذة والألم”.

ووفق هذا الاعتقاد الجديد في مصدر الأخلاق وُلدت العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد الذي بُني على فكرة “اليد الخفية” لآدم سميث الذي قال في كتابه ثروة الأمم: “إننا لا نتوقع غذاءنا من إحسان الجزار أو صانع الجعة أو الخباز، وإنما نتوقعه من عنايتهم بمصلحتهم الخاصة، نحن لا نخاطب إنسانيتهم، وإنما نخاطب حبَّهم لذواتهم”، ويضيف بعد ذلك: “أن الفرد في هذه الحالة كما في حالات أخرى تقوده يدٌ خفية نحو تحقيق غاية لم تكن جزءا من مقصده… وأنا لم أعرف أبدا أن خيرا كثيرا تحقق على أيدي من يسعون إلى الخير العامّ، فذلك في الحقيقة تصنُّعٌ ليس شائعا بين التجار”. وبمثل هذه الاقتباسات تم تلميع النسبية الأخلاقية بغضّ الطرف عن المغالطات الكامنة فيها. وحسب الاقتصاديين، إن الفرد وهو يسعى إلى تحقيق مصلحته الذاتية مندفعا بغريزة تعظيم منفعته الخاصة، فإنه يحقق عن غير قصد وعن غير وعي مصلحة الجماعة. وقد نظر الاقتصاديون إلى مصلحة الجماعة كما لو أنها حاصل الجمع الحسابي للمصالح الفردية  من دون الأخذ في الاعتبار حالة تعارض مصالح الأفراد التي يصرّح الاقتصاديون أنفسهم بأنها ذاتية، ودون الجواب عن طبيعة الأخلاق الذاتية الجماعية وماذا سيكون حاصل جمع التفضيلات الفردية لأفراد يمارسون السرقة مثلا، أو أرباب عمل يفضِّلون التجارة في المخدِّرات على النشاطات الأخرى؟ ثم ألا يبدو أن فكرة “الذاتية الجماعية” ليست سوى هروب من الإقرار بأن القيم ينبغي أن تكون متعالية على المجتمع وأن يكون مصدرُها ربانيا مفارقا لأهواء البشر؟

كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط يخشى أن ينتهي الأمر بالحضارة الغربية إلى العدمية الأخلاقية، وكان يقول دائما بأنه لا يمكن التسليم بوجود أخلاق من دون الإقرار بالمسلّمات الثلاث الآتية:

وحين ألّف كتابه “نقد العقل الخالص” قال كانط: إذا لم نضع حدودا لمجالات العقل الخالص فلن يبقى هناك مجالٌ للأخلاق.

ويتساءل الرئيس البوسني الأسبق علي عزّت بيجوفيتش في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب”، عما إذا كان الالتزام الأخلاقي بدون إله ممكنا؟ وينتهي إلى القول: نحن لا نعرف حالة واحدة خلال التاريخ الإنساني لمجتمع غير ديني خالص، ولا دولا تربّت فيها أجيالٌ بعد أجيال على نبذ الدين وكراهيته، لتعطينا إجابة مؤكدة على سؤال ما إذا كان بالإمكان إقامة أخلاق بلا دين، أو مجتمعات بأكملها مجمعة على الإلحاد لأن مجتمعا افتراضيا ينشأ جميع افراده على الجهل المطبق بالله أو الإلحاد التام، سيكون شيئا مختلفا اختلافا جذريا عن أي شيء عرفناه حتى اليوم، سواء في المجتمعات المتدينة أو المجتمعات التي تعيش تحت سيطرة وتأثير أفكار إلحادية، بل لعل كثيرا من الناس غير المتدينين سيُصدَمون إذا اطلعوا على أفكار وقوانين مجتمع إلحادي تام الإلحاد، والنتيجة أنه يوجد ملحدون على أخلاق، لكن لا يوجد إلحادٌ أخلاقي، والسبب أن أخلاقيات غير الديني ترجع في مصدرها إلى الدين، دين ظهر في الماضي ثم اختفى في عالم النسيان، لكنه ترك بصمات قوية على الأشياء المحيطة، ولا يمكن إقامة جيل تام الإلحاد إلا بخلق الشروط النفسية الملائمة، وذلك من خلال التدمير الكامل والقضاء على جميع المواريث الروحية التي تلقتها البشرية عبر العصور.

في كتابه “هل هناك فرصة للأخلاق في عالم مليء بالمستهلكين؟” يؤكد زيغموند بومان أن نزعة العلمنة الشديدة وإصرار المجتمعات الاستهلاكية على أن تكون هي مرجعية نفسها وأن يكون الاستهلاك هو مصدر القيمة سيؤدي على المدى القريب إلى ما كان يخشاه بيجوفيتش من مجتمعات مختلفة تماما عن أي شيء عرفناه حتى اليوم وهو مجتمع “إرادة القوة” الذي تحدث عنه فريديريك نيتشه، فحين يتحول المجتمع إلى مجتمع “ذري” يستمد كل فرد أخلاقه من ذاته فحسب دون مصدر خارجي للاحتكام، فإنه سيعجز تماما عن أن يتصرف كمجتمع وسيضطرّ اضطرارا إلى طلب النجدة الأخلاقية التي لن يجدها بعد أن دمّر مصادرَها الربانية إلا في سيطرة القوى الاجتماعية التي هي أقوى من الأفراد، وهي قوى بدورها لا تحدّها أي حدود أخلاقية سوى إرادة القوة النيتشوية.

ومن هنا نفهم ماذا سيفقد العالم بإصراره على إخراج الإله من مركز الكون، وينكشف لنا بوضوح الجانب المظلم من العلمانية التي بدأت بالتنوير وانتهت بالظلام والسيولة، وفي الأخير نعود إلى سؤال عنوان المقال فنقول: إن القبول بفكرة إن المجتمع هو من يصنع أخلاقه يساوي تماما القول إن من يملك القوّة هو من يفرض الأخلاق.

مقالات ذات صلة