هل نستطيع أن نخرج الغابة من رأس القرد؟
بعد أربع سنوات من إقامتي ببريطانيا أي في بدايات فترة التسعينات من القرن العشرين تمكنت من رصد عدة تغيرات كبيرة في المجتمع البريطاني وفي مقدمتها بروز ما يسمى بثقافات الهامش التي تعني أسلوب حياة الأقليات الكاريبية والهندية والافريقية والعربية وأقليات أخرى كثيرة إلى جانب أسلوب حياة السكان الأصليين: الانجليز والايرلنديين والوشيين والاسكتلنديين.
لم تكن هذه التغيرات أمرا بسيطا في مجتمع إمبراطوري سابقا كانت مستعمراته لا تغرب عنها الشمس، بل فقد كانت بمثابة هزة قوية في بنية الهوية الثقافية الانكليزية بصفة خاصة وفي الهويات الثقافية لمقاطعات إيرلندا الشمالية، وويلز واسكتلاندا. وبالتوازي فقد حدثت أيضا تحولات في الخطابات الاعلامية، وأخرى أكثر عمقا في المنظومة التعليمية، وفي فضاءات الحياة اليومية.
وفي الواقع، فإن إرهاصات هذا التغير تعود تاريخيا إلى نتائج الحرب العالمية الثانية كما يحدد ذلك مؤرخو الثقافة والظواهر الاجتماعية والسياسية البريطانيين. قبل هذه الفترة كانت وزارة الداخلية البريطانية تعتبر الوافدين الجدد الآتين من جغرافيات أخرى بالغرباء واستخدمت كلمة “أليان” Alien لوصفهم وتحديد هويتهم. لم تكن السلطات المسؤولة على مكاتب الهجرة تفرّق في ذلك بين العرب والزنوج والأسيويين وكل المنتمين إلى العالم الثالث. لقد كانت كلمة Alien تطبع بحروف غليظة سوداء في المكان المخصص لتأشيرات الدخول في جوازات السفر.
وفي الواقع فإن كلمة Alien في معناها الانجليزي تثير الخوف لأنها تعني كل ما يبعد وينفّر، ويثير الوحشة والتوحش كما أنها تعني تحويل الملكية إلى شخص آخر، الأمر الذي يدل على أن هؤلاء الغرباء هم أشبه بالملكية ويمكن تحويل هوياتهم وفسخ ثقافاتهم أيضا، وإحلال محلها ثقافة المجتمع الجديد الذي أصبحوا يقيمون في هوامشه.
عندما رأيت هذه الكلمة مطبوعة بحروف غليظة في جواز سفري قمت فورا بتعقب دلالتها في القاموس وشعرت في ذلك الوقت بالأسف والألم جراء هذا التقسيم التعسفي للبشر إلى غرباء متوحشين ومنفرين، ومتحضرين غادروا ثقافة الغابة. أذكر أنه في أحد الأيام دخلت إلى متجر مرقّع الأحذية الانجليزي بهدف إصلاح حذائي عنده، وفجأة مرّ شاب زنجي أمام المحل ونظر إليه ذلك الحذّاء نظرة معبأة بالكراهية والاحتقار ومن ثم وجه الكلام إليّ وهو يعلق عليه هكذا: “يمكن أن تُخرج القرد من الغابة ولكن من رابع المستحيلات أن تُخرج الغابة من رأس القرد لأنك بمجرد أن تطلقه فإنه يهرع إليها فورا“!.
في مثل هذا المناخ تطور في بريطانيا الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي لدى اليسار البريطاني وعند الأقليات الأجنبية المقيمة بصفة دائمة، ولقد تشكل هذا الوعي كردّ فعل على التهميش والممارسات العنصرية.
في خضم هذه التغيرات وما سبقها ومهد لها من وعي نقدي على مدى سنوات طويلة، حدث تحوّل نوعي في الحركة النسوية التي صارت لا تطالب فقط بأن يعطى لها حق الانتخاب فحسب، وأن لا تصنّف في خانة الجنس الثاني قياسا بالجنس الأول الذي هو جنس الذكور، بل قد تمكنت من خوض النضال الثقافي والاجتماعي والنقابي والفكري والسياسي عملا بشعار الفيلسوفة الوجودية الفينومينولوجية الفرنسية سيمون دي بوفوار القائلة في كتابها الشهير الموسوم الجنس الثاني: “المرأة لا تولد امرأة وإنما تصبح امرأة” وهذا يعني أن كلا من الذكورة والأنوثة ليستا صفتين معطاتين قبليا أو أنهما لصيقتان بالجبلة، وبالعكس فإنهما نتاج وتشكيل ثقافي واجتماعي وتاريخي بالدرجة الأولى.
ونتيجة لهذا الفهم للذكورة وللأنوثة، فقد توسع الوعي النسوي النقدي وصارت الحركات التحررية النسوية تطالب بالاعتراف بكينونة المرأة وإنسانيتها وهوياتها الثقافية والدينية وبضرورة القبول بوجودها وباختلافها وبأسلوبها المختلف في ممارسة الحياة اليومية داخل المؤسسات على تنوع أنماطها. إلى جانب ذلك فقد تم إسقاط المعايير النقدية التقليدية بما في ذلك الواحدية النظرية لصالح تعدد النظريات والمنظورات.
وهكذا فإن التغير البطيء الذي حدث جزئيا، بدءاً من أوائل الخمسينات من القرن العشرين، في المؤسسات وفي البرامج والمناهج التعليمية البريطانية قد أدى إلى خلق شعب “الدراسات الاثنية“، “ودراسات الجندر” (النوع الجنسي)، و“دراسات الأقليات العرقية وقد أنجز كل هذا تحت عباءة نموذج فكري وثقافي كلي مغاير ويتمثل في التخصص الجديد المدعو “بالدراسات الثقافية“.
تاريخيا ومكانيا، تأسس هذا التخصص بشكل عملي ورسمي في الستينات من القرن العشرين بمركز تابع لجامعة برمنغهام على أيدي عدد من المفكرين الأساتذة وفي صدارتهم ريتشارد هوغارت وريموند وليامز وستيوارت هول في محاولة من طرفهم لكسر التقاليد الأكاديمية الكلاسيكية الممجدة لأساطير الرجل الأوروبي/ الغربي الأبيض والمتمركزة ذاتيا لحد الانغلاق الذي يقصي الغيرية بعنف من مسرح الممارسات التعليمية البيداغوجية.
إن هذا التوجّه الجديد في المنظومة التربوية له هدف جوهري وهو بناء ونشر ثقافة وأخلاقيات احترام التنوعات والاختلافات الثقافية واستبدال التنافر والتباعد فيما بينها بالتجاور والتحاور في مسعى لبناء تركيبة ثقافية إنسانية تقدّمية وديمقراطية تؤسس لما أسميه بالهجنة الحوارية، أو “الفضاء الممكن” لصالح الجميع إذا سمحنا لأنفسنا أن نستعير هذا المصطلح الأخير من المحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوط.
لكي تخترق الحركة النسوية جدران الذكورة وسجونها كان لابد لأقطابها من المفكرات والمربيات والناقدات من تفكيك المنظومات الثقافية العالمة السائدة وكذلك الثقافة الشعبية وذلك باستخدام النظريات العلمية، والفكرية المشتقة من شتى الحقول المعرفية مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والتحليل النفسي، والأنثروبولوجيا، واللسانيات، والنقد الأدبي، ونظرية الفن، والفلسفة، وعلم الموسيقى، والعلوم السياسية، والإثنوغرافيا، ونقل كل هذه النظريات إلى الفعل النقدي التطبيقي المستمر الذي يوفره تخصص “الدراسات الثقافية” الذي تفرّع في الأدبيات النقدية الأمريكية وأصبح يسمى بالنقد الثقافي منذ أن كتب الدارس الأمريكي فنسنت .ب. ليتش في عام كتابه الموسوم “النقد الأدبي الأمريكي: من الثلاثينات إلى الثمانينات” من القرن العشرين.
في هذا الاطار ينبغي إدراج النقد النسوي الطليعي الذي برز في أوروبا/ الغرب على أيدي رائداته الكثيرات منها المفكرة البلغارية الأصل والفرنسية الجنسية جوليا كريستيفا التي وعدت أن أتحدث علاقتي بكتاباتها وعن تفاعلي مع نظرياتها، وتلك التي اقترضتها من إنتاج فلاسفة ومفكرين ونقاد عديدين ثم وظفتها في سجالها النقدي الخصب مع التراث الثقيل للثقافة الذكورية الغربية الذي لا يزال فاعلا ومؤثرا إلى يومنا هذا.
أريد الآن أن أناقش مسألة مهمة تتعلق بالمشكلات التي رافقت حركة الدراسات الثقافية والجهد النسوي فيها في تعاملها مع الثقافة الشعبية كنصوص وكمفهوم. وفي البداية ينبغي تسجيل نقطة مهمة وهي أن النجاح الذي أحرز عليه النقد النسوي يتمثل في الكشف عن الجذور التي نبعت منها ولا تزال تنبع من رحمها المركزية الذكورية الطاغية التي طفحت بها ثقافات المجتمعات الغربية.
من أجل دراسة هذا المجال الحيوي فقد صدرت مئات الكتب والدراسات من بينها كتاب الناقد الثقافي جون ستوري الذي خصصه لرصد العلاقة بين النظرية الثقافية وبين الثقافة الشعبية وهو بعنوان “النظرية الثقافية والثقافة الشعبية“. يدخل هذا الكتاب في خضم النقاش الذي استهدف ولا يزال يستهدف استراتيجيا تفكيك الثقافة الشعبية، غير أن هذه العملية قد أبرزت إلى السطح مشكلة كبيرة وتتلخص في عدم وضوح ما نعنيه أساسا بمفهوم الثقافة الشعبية ذاته، وكذا تشابك التمثيلات التي تتضمنها للذكورة والأنوثة معا.
والجدير بالإشارة هنا هو أن جون ستوري يرى أن مفهوم الثقافة الشعبية نفسه مسكون بالغموض والتعميم، وانطلاقا من هذا التنبيه، فإنه يدعو إلى تمحيص هذا المفهوم والنظر إليه ضمن السياق التاريخي والثقافي لكل مجتمع؛ ففي تقديره فإن المشهد العام لمفهوم الثقافة الشعبية يتطلب التحليل لأن هذا المفهوم كما هو قائم ووفقا للدارس توني بنيت “لا فائدة منه عمليا“. لماذا يعتقد الدارس توني بنيت في هذا المفهوم في وضعه الحالي؟ عن هذا السؤال يجيب قائلا إن: “بوتقة المعاني المضطربة والمتناقضة قادرة أن توجه عند ممارسة البحث توجيها سيئا لأي من دروب النظرية العمياء“.
في هذا السياق بالذات يلاحظ جون ستوري أن جزء من المشكل “ينبع من استعمال (الآخرية) Otherness التي هي غائبة وحاضرة دائما عندما نستخدم مصطلح الثقافة الشعبية“. إنه من الضروري هنا طرح السؤال التالي: أين يبدو ويكمن هذا المشكل إذن؟
في تقدير هذا الدارس، فإن المشكل يبرز أمامنا عندما ندرك أن “الثقافة الشعبية تعرّف دائما في العلن أو على نحو مضمر بالتضاد مع أنماط المفاهيم الأخرى: الثقافة الفولكلورية، الثقافة الجماهيرية، الثقافة المسيطرة، ثقافة الطبقة العاملة الخ، وهكذا فإن التعريف التام ينبغي أن يأخذ هذا دائما بعين الاعتبار“.
وبالنتيجة فإن “تحريك أي نمط مفهومي من هذه الانماط” كآخر للثقافة الشعبية الغائب/ الحاضر سيؤثر دائما وبقوة على ظلال المعاني التي نولدها عندما نستعمل مصطلح الثقافة الشعبية“.
فما هو الحل الملائم لهذه المشكلة؟ هذا ما سندرس تفاصيله في الحلقة القادمة.