هل هناك جينات وراثية مسؤولة عن الطلاق؟
الكثير من الناس مغبونون في جينات آبائهم وأجدادهم، بحكم ما يرثونه عبرها من صفات جسدية وسلوكية غير محبذة، ناهيك عن الأمراض والعلل التي قد تنتقل من جيل لجيل عبر الوراثة. لكن، أن يصل تأثير الجينات على مسار حياتنا للحد الذي قد يكون لها دور في نجاح أو فشل علاقاتنا الزوجية. فهذا ما قد لا يمكن تصديقه. ولكنه، قد يكون حقيقيا للأسف. بدليل ما كشفته الدراسات عن وجود ما يسمى جينات الطلاق التي تجعل الانفصال الزوجي سلوكا متوارثا ومتفشيا في بعض العائلات دون غيرها. فهل الطلاق فعلا وراثي؟ وهل يوجد مورّث يدعى جين الطلاق؟
عدوى الانفصال
مازلت أذكر جيدا مقدار استغرابي حين قصدت ذات مرة بيت مطلقة عجوز تمتهن الحجامة والعلاج بالأعشاب الطبية والرقية الشرعية، لكتابة موضوع حولها. وهذا حين علمت أن ثلاثة من أولادها مطلقون. فالكبرى وكانت تعمل كمدرسة قرآن ومرشدة دينية اعترفت بأنها تطلقت بإرادتها من زوجها الأول الذي لم تكن تطيقه للدرجة التي كانت تهدد فيها أهلها بالانتحار، إذا لم يساعدوها في الفكاك منه، لتتزوج بعده من رجل يكبرها بأعوام. أما البنت الثانية، فلقد تطلقت بغير إرادتها. بعد أن تخلى عنها زوجها الذي تمكن من إكمال دراسته الجامعية ليتوظف في مهنة مرموقة. الأمر الذي عمّق من شرخ عدم التوافق العلمي والاجتماعي بينهما. فهجرها ثم طلقها غيابيا، لتمتهن طهي الخبز التقليدي وبيعه كي تُعيل ابنتها. أما الابن الثالث، فلقد طلق زوجته لأسباب لم أهتم بمعرفتها بقدر انشغالي بمعرفة سبب عدوى الطلاق المتفشية في هذه العائلة المُطلقة المُفككة المُمزقة.
جينات الطلاق
كشفت دراسات أجراها باحثون في جامعات أمريكية وسويدية أن أبناء الآباء والأمهات المطلقين هم الأكثر عرضة للطلاق بعد زواجهم، بسبب ما يسمى بجينات الطلاق التي تعمل على انتقال الصفات الشخصية الوراثية التي يمكن أن تؤدي للطلاق كالعصبية والاندفاع. وأفادت نتائج الدراسة بأن السبب الرئيسي للطلاق ليس نفسيا أو اجتماعيا. وإنما هناك عوامل وراثية تجعل الطلاق ينتقل من جيل إلى جيل. ويتفشى في عائلات دون غيرها. وهي نفس النتيجة التي توصل إليها عالم الجينات الأمريكي فيكتور جوكين من جامعة مينيسوتا، بعد تجارب على 3500 زوج وزوجة كانت حياتهم مهددة بالانفصال، حيث توصل إلى أن الرغبة المتواصلة في الطلاق وراثية. وأن 50 بالمئة من الأسباب المؤدية للطلاق متعلقة بالصبغيات “الكروموسومات”.
انكسار الحاجز النفسي
ولكن، على عكس الآراء المؤيدة والمؤكدة لوجود ما يسمى بصبغيات أو جينات الطلاق، فإن البعض الآخر من المختصين يذهبون مع الرأي القائل بأن الطلاق وراثي، ولكن ليس بسبب الجينات وإنما لعوامل بيئية تجعل الابن الذي نشأ في عائلة فيها حالات طلاق سابقة يستسهل فكرة الانفصال عن شريكه الزوجي. أي إن الأمر مكتسب وليس جينيا، كما يقول طبيب الأطفال عز الدين بوالصلصال، بسبب عيش الطفل في ضغوطات وبعيدا عن حنان الأبوين مجتمعين. وأيضا لانكسار الحاجز النفسي عنده أمام خطوة الطلاق، أو بسبب بعض السمات السلوكية المكتسبة من الأبوين المطلقين. فالطفل في النهاية يتعلم بالنماذج أكثر مما يتعلم بالنصح والتلقين. وربما هذا الذي يجعل الكثير من الآباء في مجتمعنا يرفضون تزويج بناتهم لأبناء المطلقين، مخافة أن يعيد التاريخ نفسه ويكرر الابن فعلة أبيه ويطلّق زوجته.
راجع تاريخ عائلتك
إن الإقرار بالدور الذي يمكن أن تلعبه الوراثة في نقل الطلاق عبر الأجيال أو جعله مستفحلا في بعض العائلات، يمكن أن يساعد الأزواج على الانتباه إلى الخلل المتوارث أو المكتسب المؤدي بهم للطلاق، أو ليكونوا على استعداد تام لمعالجة الأسباب المؤدية إليه. ويحرصوا أكثر على إنجاح زيجاتهم ما داموا يملكون استعدادات وراثية أعلى ليتطلقوا. لهذا، من الضروري للأزواج، كما يقول العلماء، مراجعة تاريخ الطلاق العائلي، بتحديد نسبته وحالاته وأسبابه لتفاديه.