جواهر
القضية المثيرة للجدل منذ الأزل

هل يجوز للمرأة أن تؤم المصلين؟!

أماني أريس
  • 20185
  • 0
ح.م

أثار مقطع فيديو لامرأة تؤم المصلين في مسجد بأمريكا، موجة من الاستنكار وأعاد للواجهة الجدل القائم حول مسألة ” إمامة المرأة ” بين الأئمة والدعاة، وكان المفكر حسن عبد الله قد تطرق للمسألة بنظرة تأصيلية أجاز فيها إمامة المرأة.

الصحابية أم ورقة تؤم أهل دارها

 لم يغضب الصحابة الكرام ولم ينكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذنه لصحابية جليلة مثقفة بإمامة أهلها رجالا ونساء في الصلاة، ولم يراجعوه، وإنما تقبلوا الفعل النبوي الثوري برضا، بل وكانوا يستمعون إليها وهى تتلو كتاب الله بصوت عذب ويتفقدونها حين تغيب.

ثم جاء فقهاء ودعاة نشروا الهوس الجنسي بالمرأة وجعلوا جسدها كله عورة، وأصدروا فتاوى تستند على رؤيتهم الذكورية وليس على الآية والحديث وحرموا المجتمع المسلم من إبداعات المسلمات على مر العصور. لماذا إذن كل هذا الغضب من أمينة ودود، وشيرين خنكان، وصالحة مارى فتاح، وراحيل رضا إمامات عصرنا الحديث؟

ذهب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه لزيارة صحابية جليلة في بيتها عرفت باسم أم ورقة بنت عبدالله، أو أم ورقة الشهيدة كما يلقبها النبي الصادق، وكان يزورها باستمرار لبعض الوقت، فقد كانت من كرائم نساء عصرها وأفاضلهن وكانت غيورة على دينها حريصة على الموت في سبيل الله، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا قالت له:

اِئذن لي أن أخرج معكم أداوي جراحكم وأمرض مرضاكم فلعل الله يهدى إلى الشهادة.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يهديك الشهادة وقرى في بيتك فإنك شهيدة).

وكانت رضي الله عنها قد جمعت القرآن الكريم وكانت قارئة له وتجهر بالتلاوة وبصوت عذب، ولذا لم يبح لها النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل أمرها أن تؤم أهل دارها، رجالا ونساء، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها.

وهكذا غدا بيت أم ورقة رضي الله عنها مسجدا وبيتا من بيوت الله تقام فيه الصلوات الخمس.

وظلت أم ورقة«إمامة» لأهل بيتها، قارئة لكتاب الله، يستأنس كبار الصحابة بصوتها طوال العصر النبوي وخلافة أبى بكر الصديق، إلى أن قام غلام وجارية لها، فخنقاها استعجالا للحصول على الحرية التى وعدتهما أم ورقة بها بعد وفاتها. فلما أصبح عمر بن الخطاب قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة، فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت فقال: صدق رسول الله حين كان يقول: (انطلقوا بنا نزر الشهيدة)

ثم صعد عمر بن الخطاب المنبر فذكر الخبر وقال: علىّ بهما فأتى بهما، فسألهما فأقرا أنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا.

آراء فقهيـــة

 لم تكن هناك مشكلة في إمامة الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلى بالمسلمين، أو يرسل من ينوب عنه ليؤم الناس في مساجد صغيرة أقيمت على أطراف المدينة، وكانت المرأة تشارك في معظم الأنشطة العسكرية والطبية والخيرية والاجتماعية، لكن المجتمع العربي المحافظ بطبعه لم يكن يتقبل فكرة إمامة المرأة للرجال في الصلاة، علما أن عمر بن الخطاب تجاوز بعض هذه العادات والتقاليد وأعطى رئاسة الشرطة وأمر مراقبة السوق أو ما يعادل الآن وزيرة التموين والتجارة، الشفاء بنت عبدالله، وكانت من عقلاء النساء وفضلاتهن، وكان نبينا الكريم يزورها ويقيل عندها  في بيتها، وهى أول معلمة في الإسلام، وكلفها النبي بتعليم زوجته حفصة القراءة والكتابة وما يسمى برقية النملة أو بعض الأمور الطبية، وكان عمر بن الخطاب يقدمها في الرأي على الرجال ويرعاها ويفضلها.

وقد ذكرت الآيات البيّنات أن امرأة كانت ملكة لسبأ، هى بلقيس، كانت تملك قومها وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، واعترف لها الملأ من أتباعها قائلين: «نحن أولوا قوة وأولى بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين. «النمل 23-33»

نحن هنا أمام امرأة تقود جماعة، وقد ذكرها القرآن معترفا بكونها ملكة لقومها وأشار إلى حنكتها، بينما تكرر القصص القرآني في ذكر مستبد آخر، لكنه من الذكور وصل به استبداده إلى ادعاء الألوهية ومطاردة اثنين من أنبياء الله تعالى وقومهما المضطهدين، فاستحق اللعنة والغرق وصار مثلا لكل مستبد يهلك نفسه وشعبه ودولته. إنه فرعون.

 وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ينسب إلى الإمام أحمد بن حنبل جواز إمامة المرأة في بعض الظروف فيقول: «جوَّز أحمد في المشهور عنه أن المرأة تؤم الرجال لحاجة، مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين، فتصلى بهم التراويح، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنا. وتتأخر خلفهم وإن كانوا مأمومين بها للحاجة. وهو حجة لمن يجوز تقدم المأموم لحاجة». ويقول ابن تيمية: ” قلت: ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في المشهور عن أحمد. وفى سائر التطوعات روايتان”. 

وهذا الإمام النووي يقول: قال أبو ثور والمزني وابن جرير الطبري : تصح صلاة الرجال وراءها في الفرائض وغيرها حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري. 

وهذا ابن رشد يقول: اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال، واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي، ومنع ذلك مالك. وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق. فالحديث إذن عن إجماع الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم على أن المرأة لا تؤم الرجال تعميم لا يصلح، وتجاهل لقول الإمام أحمد والطبري وغيرهما. 

إخفاء الأحكام

ويعلق أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون د. سعد الدين الهلالي قائلا: هناك من يخفى الأحكام الفقهية المختلفة لأمر في نفسه أو للهوى، فلابد من عرض كل آراء الفقهاء في كل مسألة . وفى أمر إمامة المرأة للرجال، فالذين قالوا بالرفض استندوا لأمرين: الأول ما جرى عليه العمل من عهد سيدنا النبي وحتى يومنا هذا، والثاني أنهم استندوا إلى حديث ضعيف اعتبروه الأساس، وهو «لا تأمن امرأة رجلا» وقوى هذا الحديث لديهم ما جرى عليه العمل . ويضيف: أما الرأي المخالف المؤيد لإمامة المرأة للصلاة فقال به العالم والمفسر والمؤرخ ابن جرير الطبري، واستدل بحديث صحيح  رواه أبو داود عن إمامة أم ورقة لأهلها، وأكثر الفقهاء قالوا بأن هذا خاص بأم ورقة وليس عاما لكن الأمر غير ذلك . وكل هذا يدل على أن علينا أن نعبد ربنا بقناعاتنا، ولا ندع أحدا يفرض رأيه علينا، فأنت تسمع الأدلة والأقوال وعليك أن تستفتى قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك.وليس لأحد أن يسلبك حقك في اختيار أي رأى فقهي، فكلها قابلة للتطبيق.

أما دار الإفتاء المصرية وفى فتوى أفتى بها مفتيها السابق د. على جمعه فقالت إن جمهور العلماء المسلمين بينهم خلاف على مسألة إمامة المرأة للرجال التي أثيرت مؤخرا، مشيرا إلى أن الجمهور وهم معظم الأئمة المعترف بهم لا يجيزون إمامة النساء للرجال، في حين أن عددا من الأئمة مثل الإمام الطبري والإمام ابن عربي يجيزون ذلك، وإن كانوا أيضا يختلفون في مكان وقوفها هل يكون أمام الرجال أم بمحاذاتهم باعتبار السترة التي قد تنتفي خلال حركات الصلاة المختلفة.

وأضاف أن الأمر في مثل تلك الحالات الخلافية يكون مرجعه لأهل الشأن، فإذا ما قبلوا أن تؤمهم امرأة فهذا شأنهم ولا حرج عليهم طالما لا يخالف ذلك ما تعارفوا عليه، وإذا ما رفضوا فهذا شأنهم أيضا وهو ما يسير عليه الناس في معظم البلاد الإسلامية، ومنها مصر التي لا يتوقع أن يحدث فيها مثل هذا الأمر لأنه يتنافى مع تفكير وأعراف الناس وما اعتادوا عليه طوال حياتهم.

أما مفتى استراليا  مصطفى راشد فيجيز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، في حالة واحدة، إذا كان هناك حاجز بينهم، بحيث تكون المرأة في المقدمة، والرجال خلفها ويفصل بينهما حاجز.

من جانبهما فقد رفضت كل من الدكتورة آمنة نصير ود. سعاد صالح إمامة المرأة للرجال في الصلاة، واعتبرتها د.آمنة نصير هجمة شرسة على الإسلام.

وكانت ومازالت مسيرة النساء نحو الحصول على حقوقهن التي شرعها الله، بعيدا عن التفسير الذكوري للإسلام، تشق طريقها متعثرة بفتاوى وآراء فقهية، تفرض نظرة أحادية للإسلام، وتغيب الوجه الإنساني لديننا الذي لا تفرقة فيه بين ذكر وأنثى، في جميع الأمور. فلتتقدم أول إمامة مصرية لخطبة الجمعة وإمامة المصلين ونحن سنكون في الصفوف الأولى خلفها، نتقرب إلى الله بذلك، وإلى نبيه الكريم الذي مازال يوصينا بالنساء خيرا حتى تقوم الساعة. 

 غزالة الشيبانية.. أول إمامة

 قبل قيام أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة فرجينيا د.أمينة ودود بإمامة المصلين رجالا ونساء في نيويورك عام 2005 ، سبقتها امرأة شجاعة عام 77 هجرية في حادثة هي الأولى من نوعها على امتداد التاريخ الإسلامي، فقد شهد العراق إبان ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي صلاة جماعة بإمامة امرأة من الخوارج اسمها غزالة الحرورية (نسبة الى حرور وهى قرية قرب الكوفة) أوالشيبانية، نسبة إلى زوجها الذي  تمرد على الخليفة عبد الملك بن مروان، وهي من الخوارج وعرفت بشجاعتها وجرأتها وكان الحجاج يهابها كثيرا. 

 وغزالة هي التي صارت شجاعتها في حرب الحجاج الذي فر من مواجهتها مضرب المثل. يقول الشاعر مخاطبا الحجاج: 

أسد علىّ وفي الحروب نعامة

فتخاء( مكسور الجناح) تنفر من صفير الصافر.

هلا برزت إلى غزالة في الوغى

أم كان قلبك في جناحي طائرِ. 

هذه المرأة صلت في جامع الكوفة وخلفها سبعون (رجلا) صلوا بإمامتها، وإثر هذه الصلاة حكم عليها بالارتداد والكفر، وعدها كل من تطرق إليها خارجية كافرة مرتدة مبتدعة في الإسلام ما ليس فيه، لكن لا يذكر التاريخ أن (غزالة) قامت بالصلاة بحافز تأكيد صحة إمامة المرأة لصلاة يؤمها الرجال فقط أو الرجال والنساء، وإنما الذي ذكروه عنها أنها كانت ذات بأس لا تبالي بأحد، وقد نذرت أن تصلى في جامع الكوفة تحديا للرجولة وللظلم آنذاك. وهذا فرق كبير بينها وبين الدكتورة أمينة ودود (مثلا) إذ إن الأخيرة أمت الصلاة لقناعة فكرية وللتأكيد على أن الدين الإسلامي لا يشترط الذكورة في إمامة الصلاة ،فقد انطلقت من مرجعية فكرية، بخلاف الحرورية التي كانت الحماسة والتحدي دافعين أساسيين في إمامتها للرجال في الصلاة.. 

 إمامات العصر

 وكانت أمينة ودود أمت جموع المصلين في إحدى ضواحي مانهاتن، وقالت ودود إن «مسألة المساواة بين الرجل والمرأة أمر مهم في الإسلام، وقد استعمل المسلمون، وللأسف، تفسيرات تاريخية متشددة للعودة إلى الوراء.» وأضافت ونحن، من خلال هذه الصلاة، نتقدم نحو الأمام. فهذا العمل هو بحد ذاته تجسيد للإمكانات المتاحة في الإسلام.

وفى المنامة عاصمة البحرين عام2004 اعتقلت الشرطة البحرينية في مسجد الفاتح سيدة تنكرت بزى إمام شقت طريقها بين الرجال، وقبل وصولها إلى المنبر حيث أرادت أن تلقى خطبة، بحسب تعبيرها.

ومنذ أيام وفى سابقة هي الأولى من نوعها، قامت الإمامتان، شيرين خانقان وصالحة مارى فتاح، بإمامة المصلين  في صلاة الجمعة في مسجد خاص بالنساء، بالعاصمة الدنماركية كوبنهاغن. وكانت هذه أول صلاة في المدينة يؤمها إمامان من النساء، ليصبح أول مسجد فى اسكندنافيا تؤمه امرأة، بل وأحد المساجد المماثلة المعدودة حول العالم، واحتشدت أكثر من 60 امرأة في مسجد مريم الواقع في وسط العاصمة الدنماركية. ورفعت خنكان الأذان بصوتها وألقت كلمة بمناسبة افتتاح المسجد، وألقت فتاح خطبة الجمعة التي كان موضوعها «المرأة والإسلام فى العصر الحديث».

وقالت شيرين خانقان البريطانية، بعد انتهائها من أداء الصلاة، حسبما نقلت الجارديان: نسعى للحفاظ على حق المرأة في المساواة.

وأضافت خانقان المولودة في الدنمارك لأب سوري وأم فنلندية: جميع الأنشطة والعبادات تقام بالتساوي بين الرجال والنساء في مسجد مريم طيلة أيام الأسبوع عدا الجمعة المخصص لصلاة النساء فقط».

واعتبرت خانقان أن افتتاح المسجد هو جهد نسائي خالص يهدف إلى «محاربة الذكورية المتصاعدة في الدين الإسلامي»، إضافة إلى الدين المسيحي واليهودي.

وأضافت أن «النساء في هذا المسجد يمثلن النهج الروحي للإسلام».  وتابعت:نحن نسعى لخلق صوت بديل دون نزع الشرعية عن الآخرين، نريد لمسجد مريم أن يكون مكاناً للجميع، ونموذجاً للتعاون والازدهار».

وأكدت قائلة إن ردود الأفعال حول إمامة النساء فى صلاة الجمعة كانت إيجابية إلى حد ما، مع بعض الانتقادات المعتدلة. وتعتبر خانقان مؤلفة وكاتبة معروفة في الوسط الشعبي الدنماركي.

مقالات ذات صلة