الرأي

هل يحكمنا بقايا الخفافيش باسم الأغلبية المصنوعة؟

الشروق أونلاين
  • 77
  • 0

ينتشر في الجزائر بعض من ذوي النظر القصير من الذين يحاولون إبعاد حقيقة وجود مشروع لتغريب المجتمع الجزائري وعلمنة منظومته الاجتماعية، ويحاولون نفي وجود ظاهرة التغريب والغزو الثقافي وتحميل الفكر الإسلامي أفكارا دخيلة عنه.

التغريب أيها العقلاء هدفه الأساسي هو خلق عقلية جديدة تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقاييسه لتحاكم الفكر الإسلامي من خلالها بهدف سيادة الحضارة الغربية، بل وخلق أجيال تحتقر كل مقومات الحياة الإسلامية، وقد كان وما يزال هدف التغريب:

1  . تشويه الثقافة الإسلامية والتراث العربي الإسلامي.

2 إفساد الخصائص المعنوية للأمة العربية والإسلامية.

3 خلق تخاذل روحي، وشعور بالنقص.

وليس جديدا أن يخرج علينا بعض المتغرّبين ممن يصنعون القرار البيروقراطي في السلطة الجزائرية على مستوى بعض الوزارات، وهم بقايا القوة الثالثة التي شكلتها فرنسا مع مشروع قسنطينة وصوتت على عدم استقلال الجزائر، قلت تخرج علينا بمناهج ومراسيم وقوانين تعالج إكراهات خارجية وتنفذ إملاءات المنتظم الدولي، ولا ترهق نفسها في معالجة الاختلالات التي يعرفها المجتمع الجزائري، ولاسيما في منظومته الاجتماعية التي تعمل عدة أطراف داخلية وخارجية على علمنتها ليفتح المجال أمامها لتجسيد بعض مشاريعها في وطننا المسلم.

ومن جهة أخرى، أعتقد أن الفحص العملي لمدى تطبيق وتجسيد هذه القوانين والاملاءات على مستوى الواقع الجزائري يكاد يكون ضئيلا لأن الهوة متسعة جدا بين تلك الفئة المتغرّبة والمجتمع الجزائري المقاوم لكل أشكال التغريب والعلمنة، وعبثاً يسعى هؤلاء لتحقيق اختراق في عمق المجتمع الجزائري، فهم يلبّون توصيات وقرارات لمنظمات دولية للجزائر معها اتفاقيات وتحفظات بدأت في الآونة الأخيرة تتضاءل.

قضية الولي في قانون الأسرة، وقضية الجنسية في نفس القانون، والتعدد، وقضايا أخرىتكاد تكون قضايا معزولة لبعض الحالات التي خرجت عن قيم وثوابت المجتمع الجزائري بقانون وبغير قانون، واليوم نتحدث عن تعديل قانون العقوبات، وما أحدثه من لغط برلماني وإعلامي، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بقضايا التمييز ضد المرأة، فقضاياها في كل مرة تُناقش بعيدا عن الشفافية ويصادَق عليها خارج الأنظمة الداخلية للمؤسسات خوفا من رفضها أو تعطيلها في وقت تحتاج الجزائر حسب السلطة المعطوبة الشرعيةبوصف الشيخ محفوظ نحناحإلى انسجام مع المعايير الدولية المتعلقة بالمرأة، فأصبحت قضايا المرأة في الجزائر تكشف وتفضح بقايا التغريب في السلطة الجزائرية الذين يعششون في الإدارات المركزية كالخفافيش بوصف الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فلا تكاد تعرف لهم حسا في قضايا المجتمع الجزائري، إلا عندما يتعلق الأمر بالمرأة والأسرة والثوابت الوطنية فتجدهم يتقربون بالمجتمع الجزائري للمنظمات الدولية بطلب وبغير طلب.

إن تعديلات اليوم على قانون العقوبات تريد تعميم بعض الاختلالات الحادثة في المجتمع على كل المجتمع، وكأن كل الجزائريين متحرشون جنسيا، وكأن كل الجزائريين يمارسون التمييز ضد المرأة، وكأن كل نساء الجزائر متوحشات ومتحرشات، وكأن كل نساء الجزائر مصابات بعُقد أهل التغريب والفيزو قراطيات الجزائريات، وهذا تعميم للاختلال غير مقبول شرعا ولا قانونا، ذلك أن معالجة الأفعال المعزولة التي تحدث في كل المجتمعات لا يتم فقط بتعميم الاختلال وتحويله إلى قانون يحل مشكلات البعض القليل جدا، ويدخل البعض الأخر في مشكلات جديدة تحتاج إلى تعديلات جديدة، باعتبار أن معالجة قضايا الأسرة الجزائرية يتم بطرق ملتوية ودون موضوعية أو عقلانية أو حتى بناء قانوني سليم يقوم على دراسات ميدانية.

إن مشروع تفكيك الأسرة الجزائرية والفصل بين أفرادها وتشجيعهم على التمرد والانسلاخ عن العرف العام، هو مشروعٌ قديم يتجدد مع ضعف الدولة وضعف فئات المجتمع على المقاومة والرفض والممانعة، فمشروع كالذي صادق عليه البرلمان زورا يفترض أن تنبري له كل الهيئات والمنظمات وشرائح المجتمع الجزائري، رفضا له حماية للأسرة الجزائرية من التفكك والانهيار.

ذلك أن هروب نواب الأغلبية من جلسة التصويت وتعويضهم بموظفي البرلمان، هو فضيحة ذات بعدين، بعدٌ يتضمن رفضا مسبقا لطبيعة هذه القوانين ولكن بطريقةالهربة تسلّكوعدم تحمل المسؤولية، وبعدٌ يتعلق بالسلوك غير الدستوري لهيئة دستورية تخالف أمام الملأ نظامها الداخلي ولا يتدخل أحد، حيث تصبح المطالبة بعدم دستورية القانون وضرورة استنطاق المجلس الدستوري ليصدر فتواه بخصوص هكذا فضائح أكثر من ضرورة.

والقانون نفسه سيشجع الشباب على العزوف عن الزواج الشرعي القانوني، لأنه بهذه الصورة عبارة عن سجن أو ثكنة وليس فضاء للرحمة والمودة والسكن، وطبعا سيفضل العلاقات غير الشرعية التي ستحيله على أم الخبائث والآفات الخطيرة والأمراض المزمنة، وفي المقابل ستزيد في تعداد العوانس.

ومن المفارقات العجيبة أن منظمة العفو الدولية فرع الجزائر أصدر بيانا يقول إن ترك مساحة للعفو والصلح بين الزوجين يعدّخرقا لاتفاقية التمييز ضد المرأة؟ويطالب السلطة بالمزيد من التغريب لإرضاء هؤلاء، والمفارقة أن المنظمات الدولية التي تستجيب إلى املاءاتها السلطة الحالية تتابع قراراتها بواسطة أذرعها في الجزائر، والمطلوب المزيد المزيد في ظل هشاشة موقف السلطة الحالية وضعف مناعتها السياسية من كل ما هو دولي.

 

إن هذه الفئة المتغربة والمعششة في بعض إدارات المركزية، هي أقلية فكرية نافذة تبرز مع كل مناقشة للقوانين المتعلقة بالأسرة والثوابت الوطنية، موقفُنا منها يتجدّد بقوة في كل استحقاق اجتماعي قانوني رفضاً لما تقترحه على المجتمع الجزائري، حيث لا يمكن لأقلية فكرية أن تتصرف فينا بأغلبية صنعتها تزويرا في البرلمان، والتي هربت أو تهرّبت من تحمل مسؤوليتها بعدم حضور جلسة التصويت.

مقالات ذات صلة