الرأي

هل يشهد إنسان الألفية الثالثة صحوة أخلاقية؟!

حمزة يدوغي
  • 1765
  • 0

إن التطور المذهل الذي عرفته الحياة العصرية وبسرعة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية قد أورثت الإنسان، صانع هذا التطور قلقا “وجوديا” حادا وإحساسا عميقا بالضياع وعبثية الحياة، كل ذلك مبعثه شيوع مقولة “الألفية الثالثة هي بداية النهايات”، نهاية الأيديولوجيا ونهاية التاريخ، أي نهاية الإنسان، هذا الإنسان الذي أصبح يطرح أسئلة ذات “طابع فلسفي” ووجودي، من مثل: معنى الحياة والموت، ومصير الإنسان بل ومصير البشرية بعد التقدم المذهل الذي حصل في الهندسة الجينية وتهديد العولمة بتذويب الخصوصيات الذاتية للشعوب والأمم، مما جعل بعض المفكرين يرون أن القرن الواحد والعشرين سيكون “قرن الفلسفة”، وبدأوا يركزون من جديد على البعد الروحي والأخلاقي في تفسير حركة التاريخ وتقييم أسباب النصر والهزيمة بمفهومها الحضاري في حياة الشعوب والأمم قد بدأت تظهر دراسات علمية تركز على”البُعد الثالث” الذي يعادل الفطرة، والذي بدونه يصبح قدر الإنسان أن يعيش أبدا في صراع مدمر، مع نفسه أولا ومع غيره ثانيا ثم مع الكون والطبيعة آخرا.

 إن العلم التكنولوجي والتجريبي عموما ليس أكثر من “وسيلة” في يد الإنسان يتحكم بها في أسرار المادة وقوانينها ليسخر بها الكون والطبيعة، فهو”جزء ناقص” لا يستطيع وحده أن يكون منهاجا شاملا للإنسان الكامل، جسما وروحا وحسا ووجدانا، وأما الذي يستطيع أن يفعل ذلك فهو”الدين”، فهو الكل الذي يخطط للجزء، والعلم بهذا المفهوم هو المحصّن بالوحي، قال تعالى “ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير”. إن الذي أوتي جوامع الكلم، صلى  الله وملائكته عليه وسلموا تسليما قد جمع في إيجاز معجز ما قد يحتاج تفصيله إلى مجلدات، عندما قال: “الدين المعاملة” فالسلوك البشري إنما هو ثمرة من ثمرات القيم الأخلاقية التي تتأجج في النفوس وتحيا في الضمائر والذي يصوغ هذه القيم هو الدين، ومسؤولية العلماء هي تجديد صلة الإنسان بهذا الدين، لإحياء ذلك النزوع الفطري فيه إلى الأخلاق.

إن الرسالة المحمدية رسالة أخلاقية أصلا، لأنها رسالة حضارية “إنسانية عالمية”، فمن الطبيعي أن تكون حينئذ مثالا للسمو الذي يعانق الفضيلة والخير والحق والجمال، وينشد الأمن والسلم لبني البشر كافة من دون تمييز لأن الدين رحمة “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وأساس العلاقة بين الخلق، أي بين”الشعوب والقبائل” هو التعارف عن طريق الحوار ثم التعاون على البر ونبذ التصلب الفكري والتعصب والتطرف والعنف وكل ألوان الإكراه والقهر،

إن الذي ينبغي أن نوضحه لجيلنا الناشئ عندما “نكرر” على مسامعه هذه الحقائق، ونؤكد له دائما بأننا “أمة أخلاق” وحضارة أخلاقية إنسانية قائمة على الفطرة هو أن هذه الحضارة ليست “تصورا نظريا” أو مشروعا طموحا حالما، بل هي واقع تاريخي تجسد أول ما تجسد في صورته الأولى في مجتمع المدينة المنورة الذي صاغه خير خلق الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

يقول بعض الملهمين العارفين بالله إن أبلغ تعبير نطق به البشر بعد النبوة هو قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقالت “كان خُلُقه القرآن”، وإنها لكلمة موجزة معجزة حقا لا تستطيع الموسوعات تبيان حقائقها والإحاطة بجميع آفاقها.

ومن هذه المقولة الشهيرة استمد علماء الإسلام الدستور الأخلاقي الذي يقوم على الفناء في الإحسان إلى الخلق بعد الفناء في عبادة الله سبحانه.

هذا الدستور الأخلاقي أساسه الإحسان إلى”الآخر” لوجه الله دون النظر إلى جنسه أو دينه أو لغته، وهذا يقتضي أول ما يقتضي التواضع ونكران الذات وحملها على التضحية والإيثار، لقد كان شعار هؤلاء العلماء في تزكية النفوس قولهم:”من كان فيه اعتذار آدم وصلابة نوح ووفاء إبراهيم وصدق إسماعيل وإخلاص موسى وصبر أيوب وبكاء داوود ورأفة أبي بكر وحمية عمر وحياء عثمان وعلم علي، ثم هو مع هذا كله يزدري نفسه ويحتقر ما هو فيه كان حقا من المتخلقين بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ذلك أن الرضى عن النفس وما يدفع إليه من الغرور والكبر والعجب ينتج عنه احتقار الخلق والإستهانة بحرماتهم، قال تعالى “ولا تمشي في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا”.

قال الإمام عبد الحميد بن باديس في تفسير هذه الآية “العُجب أصل الهلاك، فإذا أعجب المرء بنفسه عمي عن نقائصها فلا يسعى في إزالتها، ولها عن الفضائل فلا يسعى في اكتسابها، فعاش ولا أخلاق له، مصدرا لكل شر بعيدا عن كل خير، لقد ذكرت هذه الآية الإنسان بصعقه بين مخلوقين عظيمين، الجبال من فوقه والأرض من تحته لكي يعرف قدر نفسه ويتواضع لله سبحانه ويحسن إلى خلقه.”

قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى”، قال تعالى”وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من الثوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد”، وقال سبحانه “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم”!

فالرسالة المحمدية تزكية للنفس البشرية بتعهّد فطرتها التي فطرها الله عليها، وهي مهمة أخلاقية فالأخلاق الفاضلة ليست “غريبة” عن الذات، كما أنها ليست مفروضة عليها من “الخارج” وهذا ما يفسر استجابة كل إنسان سليم الفطرة للقيم والمثل والأخلاق، وسر تقدير الناس لها في كل عصر وجيل على اختلاف الأجناس واللغات!. والتاريخ يعلمنا أن سقوط الحضارات لا يكون من نقص وتدهور في العلم وإنما يكون من نقص وانحطاط في الأخلاق، وهذا ما عبّر عنه أمير الشعراء أحمد شوقي في بيته المشهور:”وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.

مقالات ذات صلة