هل يعني ارتفاعُ نصاب الزكاة تراجع قيمة الدينار الجزائري؟
الهدفُ من هذا المقال أيها القارئ الكريم هو توضيح أن ارتفاع نصاب الزكاة لسنة 1446 بأكثر من 21 مليون سنتيم عن نصاب السنة الماضية ليفوق الـ110 مليون سنتيم، لا علاقة له بتقهقر الاقتصاد الوطني ولا بتراجع قيمة الدينار، وستسأل طبعا ما الذي جعلني أكتب هذا المقال الآن بعد أكثر من شهر على إعلان نصاب الزكاة؟ وإجابتي ستكون أن الأمر متعلق بالحركة التي شهدتها الأسواق العالمية خلال 5 أوت الماضي والتي لم تسمع بها ربما والتي جعلت أكبر أغنياء العالم يخسرون أكثر من 50 مليار دولار في ساعات قليلة، هل يبدو لك الأمر معقدا؟! لا تقلق سأجعله يبدو أبسط مما تتوقع.
بماذا ترتبط الزكاة؟
يعلم الجميع أن الذهب هو المعيار الأول لقياس نصاب الزكاة في الشريعة الإسلامية، إذ حُدِّدت قيمة 85 غرام ذهب معيارا للقيمة التي يجب أن يزكي عليها المسلم إن أكمل الذهب أو ما يقابله من مال حولا كاملا، وسعرُ الذهب هذه السنة حدد بـ13000 دينار للغرام مقارنة ب10500 دينار للغرام في السنة الماضية، وبعملية ضرب بسيطة نحصل على قيمة المبلغ الذي تجب فيه الزكاة.
ومما سبق فما يحدِّد قيمة الزكاة ليس قيمة الدينار الجزائري بل قيمة غرام الذهب، ونظرا لأننا تعوّدنا على أن تراجع قيمة الدينار هي من تتسبّب في غلاء قيمة غرام الذهب، فيذهب تحليلنا دوما لنقول إن قيمة عملتنا في تراجع وهو ما سبَّب ارتفاع نصاب الزكاة، لكن الحقيقة التي يعرفها كل متابع لسوق الذهب أن قيمة الذهب في ارتفاع مستمر نظرا لأن العالم كله يتوقع أن تحدث العديد من الأزمات والحروب في المدى المتوسط، وهو ما جعل الطلب على الذهب يرتفع بشكل كبير، الأمر الذي جعل قيمة الأوقية من الذهب تقفز في حدود 14 بالمئة من 1800 دولار أمريكي أوائل 2023 إلى حدود 2100 دولار للأوقية خلال بداية 2024، وإذا حسبنا قيمة ارتفاع قيمة نصاب الزكاة في الجزائر سنجدها 23.8 بالمئة، وإذا طرحنا منها نسبة التضخم في اقتصادنا خلال السنة ذاتها حسب التقارير العالمية والمقدرة بـ9 بالمئة – والذي تراجع مطلع هذه السنة إلى حدود 05 بالمئة- سنجد أن هامش الارتياب لا يتعدى 0.8 بالمئة، وهي النسبة التي أثر فيها باقي المتغيرات المتعلقة بارتفاع قيمة نصاب الزكاة والمتعلقة بالحركية الاقتصادية ونسبة النمو، ومصاريف الشحن والنقل والتخزين وحتى ارتفاع هامش أرباح المتعاملين في هذا المجال، وغيرها من المتغيرات الاقتصادية التي يمكن أن ندرجها في خانة ما يصعب حسابها كونها لا تتعدى الواحد بالمئة، فقيمة الدينار الجزائر تحافظ على مستواها في ظل ظروف عالمية صعبة معتمدة على ما نملكه من احتياطات متميزة من العملات الأجنبية، كما يمكن لنا تحسين قيمة العملة الوطنية مستقبلا نظرا لما يعيشه العالم من موجات تضخُّم كبيرة، حتى نحدَّ من تأثير هذه التقلبات على المواطن الجزائري، وعلى نصاب الزكاة، لكن التأثير لكن يكون كبيرا نظرا لأن أسعار الذهب في البورصات العالمية مرشحة للارتفاع بشكل جنوني.
ما علاقة الأزمات المالية بالذهب ونصاب الزكاة؟
خلال الأسبوع الأول من أوت 2024 ضربت موجة من التراجعات الأسواقَ المالية الدولية، خلّفت خسائر جمة للعديد من المؤسسات المالية ورجال الأعمال، والسبب الرئيسي الذي جعل كل هذا يحصل هو عدم خفض الفدرالي الأمريكي سعرَ الفائدة؛ أي أنه لم يدفع للاستثمار في الأسواق في ظل تقارير تباطؤ الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة، نظرا لأن خفض معدلات الفائدة يفترض أن يجعل المستثمرين يتخلّون عن السندات الحكومية لتراجع ربحيتها ويتوجَّهون إلى الاستثمار في الأسواق المالية، وهو الأمر الذي قلَّل من الموثوقية في الأسواق وخلق حالة من الضبابية جعلت الأغلبية تقرر البيع، خاصة مع التراجع المستمر في قيمة الدولار.
قيمة الدينار الجزائر تحافظ على مستواها في ظل ظروف عالمية صعبة معتمدة على ما نملكه من احتياطات متميزة من العملات الأجنبية، كما يمكن لنا تحسين قيمة العملة الوطنية مستقبلا نظرا لما يعيشه العالم من موجات تضخُّم كبيرة، حتى نحدَّ من تأثير هذه التقلبات على المواطن الجزائري، وعلى نصاب الزكاة، لكن التأثير لكن يكون كبيرا نظرا لأن أسعار الذهب في البورصات العالمية مرشحة للارتفاع بشكل جنوني.
ولعل الأثر الأكبر كان يتعلق بشركات التكونولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، نظرا لأن العديد من المستثمرين يرون أنهم يبالغون في تقدير ما قد تدرُّه هذه المؤسسات مستقبلا، ومن المعروف أن الدائرة الوهمية في الاقتصاد الرأسمالي أكبر بكثير من القدرة على السيطرة عليها، فتحصل بعض الاضطرابات الدورية لتصحيح الاختلالات الموجودة، وعادة ما تكون مبرمجة، كما أنها -وإن كان ظاهرها الضرر بكبار أغنياء العالم- إلا أنهم سرعان ما يستردون كل خسائرهم في ظرف لا يتعدى 6 أشهر، والأكثر تضررا هم صغار المُلَّاك وخاصة المضاربون الذين يبحثون عن الأرباح في الفروق بين البيع والشراء.
وفي ظل حالة عدم التأكد التي سبق وشرحتها، يضاف لها احتمال نشوب حرب قد تصل لتكون نووية بين روسيا وأوكرانيا، وما يحصل في الشرق الأوسط واستمرار الاعتداء الغاشم على غزة الذي قد يتحول إلى حرب إقليمية في المنطقة مع احتمال انضمام حزب الله وإيران إلى الحرب، وغيرها من النقاط السّاخنة في العالم، يتحوّل المستثمرون للمواد ذات القيمة الثانية والأمر يتعلق بالدرجة الأولى بالذهب، ثم الفضة وصولا إلى العقار الذي عادة ما يكون احتمالا ثالثا، وهو ما جعل قيمة الذهب تقفز مع بقاء احتمال ارتفاعها خلال السنة الحالية متواصلا، الأمر الذي سيجعل قيمة الزكاة ترتفع مرة أخرى وقد تشهد قفزة غير مسبوقة خلال السنة الجارية.
ما الحل في هذه الحالة؟
من أهم الأهداف المعروفة للزكاة أن تشريعها كان بهدف تحفيز أصحاب الفائض على توظيف أموالهم في الأسواق من أجل تنميتها وتطويرها، فالمزكي الذي لا يريد لأمواله أن تتآكل وتنقص عليه أن يوظفها لتكون في مشروع فيفيد المجتمع ويستفيد من خلال الأرباح التي يجنيها.
إن أكبر معضلة تهدد الاقتصاد الرأس مالي هو توسع الدائرة الوهمية لهذا الاقتصاد الأمر الذي جعله يواجه هزات متواترة قد تعصف بأسسه خلال النصف الأول من العقد الحالي، نظرا لصعوبة فهم الحدود الحقيقية لقيمة الاقتصادات العالمية، فعندما نقول إن شركات عالمية مثل “أنفيديا” خسرت 300 مليار دولار من قيمتها السوقية في افتتاح الاثنين الأسود 5 أوت نظرا للتراجع الكبير و”آبل” بدورها خسرت 224 مليار دولار و”أمازون” 109 مليار دولار في اليوم ذاته، فإنّ الأمر يعني -بما لا يدع مجال للشك- أن الاقتصاد العالمي لا يتعامل وفق أسُس حقيقية، صحيحٌ أن أغلب هذه المؤسسات استعادت ما خسرته في جلسة الاثنين 05 أوت 2024 لكن هذا لا يجعلنا نسلّم بسلامة المنظومة التي يسير بها الاقتصاد العالمي، فالعجز في موازنة العمّ السام تجاوزت 1.7 تريليون دولار السنة الماضية وهي مرجَّحة للارتفاع خلال هذه السنة.