الرأي

…”هملة” في تفاصيل العبث!

نصر الدين قاسم
  • 2580
  • 1

إن الحديث عن الحملة الانتخابية ومناقشة برامج المرشحين ومقارنتها، خوض في تفاصيل موضوع مطعون فيه أصلا لأن نهايته تبدو مرتبة، ونتائجه معروفة… فكما يُتعب المرشحون أنفسهم، ويهدرون الأموال هدرا في الحل والترحال وشراء الحضور، وهم يعلمون علم اليقين أنه لا فرصة لهم في الفوز، كذلك يُتعب المحللون أنفسهم في متابعة موضوع في حكم المفصول فيه، أقرب منه إلى الهزل واللعب منه إلى الجد…

حقيقة أن حملة رئاسيات أفريل القادم حملت من الغرائب ما يجعلها فريدة من نوعها، إلا أن المشكلة في هذا الاستحقاق وحتى غيره وما سبقه ليس في البرامج ولا في الحملات، بقدر ما هو في جدوى هذا كله… لقد كان أولى بالسلفيين وغيرهم من الدعاة والعلماء أن يُحَرِّموا هذه الانتخابات – ليس لأنها ضرب من الشرك – وإنما لما يُقترف فيها من مناكر، وتنابز بالألقاب، وهدر مجاني للمال العام في تنافس لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يغير من المقرر شيئا…

لا أفشي سرا إذا قلت بأن هذه الحملة وهذه البرامج لا تكتسي أية أهمية، فهي أشبه باللا حدث، بدليل أنها لم تثر اهتمام الجزائريين فلم يتابعها إلا بعض الفضوليين أو بعض الذين يُنقلون بالترغيب أحيانا والترهيب أحيانا أخرى من مقرات عملهم أو مراكزهم ليملؤون القاعات… فالجزائريون لا يتابعون الحملة الانتخابية إلا كما كانوا يتابعون “حملة الحصاد والدرس” و”حملة الحرث والزرع”، في السبيعينات وبداية الثمانينات… !

المفارقة أن الجميع يعي هذا كله، لكن “يمشي” في “التمثيلية” إلى آخرها، ولا يهمه في ذلك سوى أداء الدور المكلف به مقابل “صفقات سياسية”، أو مقابل منافع مادية ومكاسب مالية، أو جريا وراء سراب تطمينات أو ضمانات من جهات يتوخى فيها الصدق والقدرة على التأثير في المجريات.. ولعل هذه القناعة هي التي حولت الحملة الانتخابية وموضوع شرح البرنامج السياسي للمترشح، إلى التركيز على حجم الحضور والاستقطاب الشعبي… وانحرفت العملية إلى التنافس حول جمع أكبر عدد من الناس في التجمعات التي ينشطها المترشحون، أو ممثلوهم أو وكلاؤهم… 

 لقد كان الحرص شديدا، والسعي حثيثا لـ “شراء” الحضور لملأ القاعات.. وفي سبيل ذلك أصبح كل شيء مباح حتى استعمال الأطفال، والمتربصين في مراكز التكوين المهني، أو العمال والموظفين… وحدث ولا حرج فالغاية تبرر الوسيلة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمرشح “الحر”..

وإلى أن تصبح “الحملة الانتخابية في الجزائر ذات معنى، يعني كرا وسعيا لإقناع الناس بالبرامج والبدائل والكفاءات والرجال وإن بعد سنين أو أجيال.. تبقى الممارسة السياسية في الجزائر ضربا من اللهو، والاستحقاقات الوطنية إعادة إنتاج لنماذج الفشل نفسها، والحملات الانتخابية “هملة” في تفاصيل العبث، وإمعان في استفزاز الجزائريين بشتم ذكائهم… 

مقالات ذات صلة