هنا.. الكلمة لـ “الشكارة”!
قادمون من كل الولايات.. بأيدهم حقائب مملوءة بالأموال، فهناك لا صوت يعلو عن لغة الملايير.. يجلسون بالساعات.. دون تعب أو كلل، لأنهم متعودون على التنقل.. هناك الكل أعداء في نظرهم والهدف جني أكبر قدر ممكن من الحصص المعروضة للبيع… لا تتفاجأ إن اندلعت “دبزة ودماغ” في أية لحظة أو رؤية أسلحة تخرج من جيوبهم.. أسماءهم معروفة فيما بينهم وحتى لدى المصالح المختصة، لأن خبرتهم في “السواقة” كما يقولون فاقت 15 سنة عند بعضهم.
كثيرا ما نسمع عن حجز مصالح الجمارك لحاويات الألبسة ومواد البناء وحتى الالكترونيات والسيارات عبر المطارات والموانئ الجافة والمعابر الحدودية، لكن لا أحد يعرف أين تذهب هذه المحجوزات، وكيف يتم بيعها لتحصيل ملايير الدينارات لإدخالها إلى الخزينة العمومية.
“الشروق” كانت لها فرصة لحضور أول مزاد علني للموانئ الجافة الذي نظم أول أمس، بالميناء الجاف الواقع بالرويبة، على مدار أربعة أيام لبيع 291 حصة من مختلف المحجوزات وذلك بعد عملية فرزها، وشاركت في العملية 8 قباضات مجتمعة تابعة للمديرية الجهوية الجزائر الخارجية في سابقة هي الأولى من نوعها، العملية التي أريد من خلالها تحصيل 40 مليار سنتيم.
الحضور باكرا والدخول بدون تفتيش ممنوع
كانت الساعة تشير إلى التاسعة عندما وصلنا إلى الميناء الجاف بالرويبة وجدنا طابورا من المواطنين، ترقيمات سياراتهم تؤكد أنهم قدموا من كل ولايات الوطن، خاصة الحدودية منها، يسارعون للدخول إلى المستودع المنظم به المزاد العلني، لكن مصالح الأمن كانت حاضرة لتفتيشهم نظرا لأن عددا كبيرا منهم يحمل أسلحة لحماية الحقائب المكدسة بالأموال التي يحملونها.. فلا حديث هناك إلا عن الملايير.
توجهنا نحو المستودع.. هناك عمدت المصالح المنظمة على فصل الجمهور عن المكان الذي يقام به المزاد، أين يقف الراغبون في الشراء في الجهة المقابلة للجنة المعنية بمراقبة عملية البيع، وفي الوسط يعتلي القابض المنصة ويحمل ميكروفونا لإدارة عملية البيع التي ليست بالسهلة إطلاقا.
أعين الجميع موجهة نحو القابض..
بدأ القابض على الساعة العاشرة إلا ربعا بقراءة شروط البيع والقوانين المنظمة للعملية والتي يحفظها المشاركون في المزاد عن ظهر قلب نظرا لتجربتهم.
الكل مستعد… يبدأ القابض في عملية بيع الحصة الأولى التي تظهر في شاشة “الدتاشوا” وهي عبارة عن “قرميد أحمر”، هنا يشرع كل مشتر في تقديم قيمة المبلغ.. تتعالى الأصوات أنا “نمد 150 مليون”، لينطق الآخر أريده بـ200 ويبدأ المزايدون في رفع القيمة، وهنا تندلع موجات من الصراخ، أين يحتج البعض عن الرفع الجنوني لبضع المزايدين وهو ما من شأنه أن يخسرهم.
تستمر العملية إلى أن يستقر المبلغ عند 230 مليون..ه نا يتقدم المعنى نحو اللجنة المعنية بمراقبة الوثائق ومدى مطالبة نشاط السجل التجاري مع البضاعة المقتناة.. حيث عادة ما يلجأ المزايدون إلى محاولة إيهام اللجنة بأن نشاطهم كذا، لكن عند معاينة السجل التجاري يتبين أنها مختلفة تماما وغير مطابقة.
هناك تجد المعني بالتفتيش يتفحص قائمة تظهر ما إذا كان المعني غير مبحوث عنه لدى مصالح الجمارك، وبعد استكمال كافة الإجراءات يتوجه المزايد نحو مستودع آخر في الجهة الأخرى لتقديم وثائقه ودفع المبلغ نقدا أو عن طريق “الشيك”، هناك تجد حقائب مملوءة من الأموال يحملها المزايدون أو كما يقال “الباكي”، الذين لهم حرية الاختيار بين دفع قيمة السلعة كاملة، وأخذ الأوراق، أو دفع 20 بالمائة من قيمة السلعة، شريطة أن يتم استكمال القيمة المتبقية في ظرف لا يتعدى 8 أيام وإلا سيصبح “مزايد متخلف” تلاحقه مصالح الجمارك ويمنع من المشاركة مدى الحياة في المزادات العلنية.
“بومليار” يحبون الشكارة.. ويكرهون الأضواء
تقربنا من بعض المزايدين، لكن كثيرا منهم رفض التصريح أو الحديث معنا بحجة أن الوقت يداهمه والمزايدة تتطلب من الشخص “الفطنة”، لأن الحديث عن الأموال أمر لا يستهان به، ويؤكد أحد المزايدين الذي قدم من ولاية وهران واقتنى عدة سلع وبضائع منها أجهزة كمبيوتر بقيمة مليار و451 مليون، أنه جد معروف ولا يحتاج أن يتم الترويج له في الصحافة، وتجربته في المزايدات لا تعد ولا تحصى، وكنا كثيرا ما نلمحه وسط المزايدين وهو يتكلم معهم، وعند سؤالنا، قال إنهم يعملون معهم، حيث يتفق المزايدون على البضاعة التي يتم شراءها ويكلف كل واحد بحصة معينة ليتم الاتفاق بعدها بمجرد انتهاء المزاد.
مزايد آخر التقيناه، فرد علينا غاضبا “ماذا تريدون، لا أحب الكاميرات”.. طمأناه بأننا جريدة مكتوبة وهنا بدأ في الحديث “أنا من العاصمة، ولدي 25 خبرة في المزايدة، الكل يعرفني ليس في الجزائر فقط، بل حتى في الخارج.. اسألوا عنا الجمارك فقد تعودوا على وجوهنا.. (يضحك) فنحن لا نريد أن نخرج خاسرين ولا تنسي أنَك تتكلمين مع “بوندي”.
تقربنا من آخر، لكنه رفض الحديث عن الولاية القادمة منها فاكتفى بالقول: أنا من قسنطينة، لكن لهجته كانت تدل على أنه من الغرب الجزائري.. أحد أعوان الجمارك يقول لقد تعودنا عليهم من كثرة مشاركتهم في المزادات التي تقيمها مصالحنا، فهم متمرسون والوقت عندهم ثمين، لأنه يقدر بالملايين.
ما اكتشفناه هو عالم مثير حقا، فالأشخاص يعرفون بعضهم البعض جيدا.. ولهم “كنيات” يطلقونها على بعضهم البعض، لكن أمام الصحافة يقدمون أسماء أخرى، ملاسنات ودبزة ودماغ.. رصدناه، حتى أن أحدهم أخرج سيفا من تحته وهدد به أحد المزايدين الذي أزعجه بسبب رفعه لقيمة الحصص المعروضة في المزاد.
مزادا عنابة ووهران هما الأخطر والتنظيم في العاصمة أعجبنا
يؤكد مزايدون تحدثت إليهم “الشروق” أن المزاد العلني ليس بتلك السهولة التي تظهر للبعض، ففي كثير من المرات تندلع مناوشات وحرب كلامية قد تصل إلى حد التلويح بالأسلحة، ويشير أحدهم وهو شاب قادم من ولاية سكيكدة أنه تعود على المشاركة ويصف العملية “بالقمار”، حيث يغامر المزايد عند شرائه للسلعة، وعادة يجني منها أموالا، لكن في بعض المرات يتعرض للخسارة، ويضيف أن أخطر المزادات تلك التي تنظم بولايتي وهران وعنابة، فهناك “ما يخرج إلا طويل العمر” سالما، حتى أن الغرباء يتم إقصاءهم من عملية الشراء عن طريق “حبسهم” أو تهديدهم، ويؤكد أن المزاد الذي ينظم بالجزائر يعد الأفضل من حيث التنظيم، لكن حتى أنه طالب بأن تكون كل المزادات في الجزائر العاصمة.
مزايدون غشاشون في مواجهة أعوان “سيفيل”
من الطرائف التي رصدناها وجود مزايدين غشاشين، مهمتهم رفع قيمة الحصص المعروضة للبيع والتشويش على الراغبين في الشراء، عن طريق إعطاء مبلغ معين للقابض المسير لعملية البيع، وعند المناداة عليه يقوم بالاختباء داخل الجمهور الحاضر، لكن مصالح الجمارك انتبهت لحيل المزايدين وقامت بوضع أعوان بالزي المدني لإلقاء القبض عليهم.
قبل عملية البيع في المزاد العلني، تقوم مصالح الجمارك بعملية اشهارية للمواد المعنية بالبيع عن طريق الجرائد أو صفحتها على الفايسبوك أو موقعها الإلكتروني، ويتم بعدها منح المزايدين مهلة 48 ساعة للإطلاع على السلع وتفحصها قبل انطلاق المزاد، وهنا يكون المزايد مدركا لنوع البضاعة التي سيتم شراءها وبالرقم.