هوامش في الثقافة والأدب
يسلط بعض الخبراء الضوء عما يجب إصلاحه وكيفية ذلك كي يحلوا مشكلة القراءة، التي غدت مشكلة في عصر المعرفة، وكان من المنطق ألا تكون كذلك مع تطور الأجيال علميا.
وتوصيف هؤلاء للحل جاء مقتصرا على البنية الفوقية إن صح التعبير. مع التنبيه إلى أن دولا عربية سعت بما أوتيت من إمكانات هائلة إلى تبني قضية التعريب ولم تفلح إلا قليلا، دولٌ تأسست على أيديولوجيات قومية تحظى اللغة العربية فيها بنصيب وافر من الاهتمام والعناية، كالعراق وسورية في عهد البعث البائد.
أما البنية التحتية فموضوع آخر تماما يكمل ما يُطرح ولا يناقضه. وأعني به أن القراءة لم تك مشكلة في تاريخنا الإسلامي بتاتا، بل كانت والكتابة نشاطا رائجا رقى بالحياة العقلية للأمة إلى عنان السماء. ولا ريب أن منبع ذلك كله كان أول كلمة نزلت من عند الله “اقرأ”! فتلقفتها الأمة بالفرضية العينية وباشرت العمل بها بلا فتور، فبارك الله عملها وزادها علما.
ولما قل الإيمان بذلك قل الجزاء، ولو تابت لتاب الله عليها.
وهنالك، حيث الأضواء خافتة، توجد حركة قراءة باللغة العربية نشطة للغاية، لا يزال كتاب الله يحفظه يافعون عن ظهر قلب، ويكررون تلاوته آناء الليل وأطراف النهار لا يسأمون. تجري على ألسنتهم العربية غضّة طريّة كما كانت في صدر الإسلام، قد اصطبغت تراكيبها بألفاظ القرآن الكريم وأحاديث أفصح العرب قاطبة، وبشواهد اللغة كما وردت في “الكتاب” وفي أشعار بني أمية والعباس، تستحق هذه الزوايا والتكايا والحوزات أن تستلهمها المدارس والجامعات وسائر المؤسسات.
عندما تكون الحامل مقربا تختلي لتلد طفلا يحمل لأهله البركة والأنس والأمل. العزلة لمن يحمل فكرا لازمة من حين لآخر كي يضع في سفر يستفيد منه الناس ما تراكم في قلبه من معرفة، فالعزلة تأتي إذن بعد رحلة من القراءة والتأمل والتجريب، وهي مرحلة أخيرة تسبق العمل قبل صدوره. في ثقافتنا الروحية توجد الخلوة، وهي ضربٌ من العزلة إلا أن الجانب التعبدي فيها غالب، وهي تختلف عمن يعتزل ليفكر ويكتب.
أحوال المثقفين الدنيويين لا تشهد أعمالا مفيدة، ومن ثمّ فهي لا تحتاج إلى عزلة، ربما عزلة للاستجمام بأموال الخدمات الاجتماعية. ولقد سعيتُ وثلة من الأساتذة والعمال في إحدى جامعات الوطن حثيثا لندرج العمرة والحج في برنامج الخدمات، فكنا بين أغلب الموظفين كالغرباء، الذين كانوا يصوِّتون لصرف الأموال في المراكب والرحلات وتحسين الظروف المعيشية، ورُفض مسعانا بحجة أن الحج والعمرة لا تُؤدَّى بالدين! وإمعانا في الاستهزاء بالطلب أنظَرنا من كان يتحكم في إدارة الخدمات حتى يستصدر فُتيا في هذا الأمر، وأغلبهم كان لا يعرف القبلة في أي اتجاه هي!
معظم الأساتذة الجامعيين في الجزائر فقدوا صفتهم الثقافية ودرجوا في نفق صنعته لهم السياسة يغدو فيها الأستاذ ولا يروح، ولا يتخرج منه إلا وهو متقاعد قد انقضى عمره الافتراضي فيه حتى بلغ الستين. فأي العقلين أكثر دهاء، العقل العلمي أم العقل السياسي؟
لا أظن بأن الإنتاج الفكري ككتاب يدفعه صاحبه لدار نشر -ترى في الكاتب طرفا ضعيفا وفي كتابه مغنما لا تعب فيه- صفقة رابحة تشجِّع على المزيد من التفكير والإبداع. لا بد من قطع العلاقة التبعية بدور النشر، لأن معظمها يبتزُّ الكاتب ويوهمه بحق مخيَّر فيه بين أخذ عدد محدود من النسخ تعادل عشرة في المئة من “أرباح” المبيعات أو مبلغ يساويها لا يأتيه غالبا إلا بعد سنوات، فكيف يعتاش الكاتب وينشر إذن؟ على الكاتب ألا يفقد صلته بالاقتصاد الحقيقي، ولا ينقصنَّ من قدره أن يكون كاتبا ومهنيا في آن واحد، أو فلاحا أو تاجرا، كما كان ديدن المؤلفين الأوائل، الكاتب الموظف لدى الحكومة أو شركة خاصة مستدامة يملك الحد الأدنى من العيش، ولكنه يبقى يعاني الفقر في صمت يقلل كثيرا من إنتاجه ويحول دون تبليغ ما يكتب إلى القراء.
أرى بأن ممارسة الكاتب نشاطا مربحا سيهبه ميزتين، أولاهما أن يتدبر نفقته ونفقة عياله براحة، وثانيهما أن يستثمر بعض كسبه في نشر كتبه على حسابه كاملا، فتصبح يده عليا، ويمسي الناشر تابعا لا متبوعا، وبالحد الأدنى من النزاهة المهنية للناشر يستطيع صاحب الكتاب افتكاك حقه والمطالبة به من خلال شروط عادلة بين الطرفين. وهنالك سرٌّ آخر يتعلق بقبول الكاتب في السوق وما كتب، وتيسير أموره لدى الناشر ومن قرأ، مرده إلى الإخلاص، إخلاص النية لتكون مرضاة الله سبحانه بالعمل أسمى ما قصد.
لا أحبِّذ حصر المعرفة في الشعر والفلسفة والعلم، هنالك صرحٌ جليل القدر والتأثير هو الإيمان بمفهومه الإسلامي، الذي بسببه بُعثت العربية وبُعثت معها الحضارة التي سادت في الشرق والغرب. لا أعتقد بأن البصريين كانوا متدينين لما وضعوا القرآن الكريم مصدرا أول للغة، وكذا سائر المدارس اللغوية والنحوية. ولا أعتقد بأن التعليم وتردي مستوى اللغة كافيان وحدهما لتفسير ما آل إليه الشعرُ العربي في أدبنا المعاصر من ضعف.
النصُّ وما فيه يبقى مُلكا لصاحبه، بمعنى معانيه التي أرادها كاتبه، حتى ينشره، فإذا نشره شاعت بين الناس حقوقه النقدية، فغدا مُلكًا عامًّا يحق للقارئ أن يجعل له بنى ظاهرة وأخرى عميقة، ولا يقتصر فيه على ما أراد الكاتب قوله للناس.
بين الأدب ونقده والمجال الثقافي شبكة من العلاقات والتفاعلات، مقاربتها تغني الأعمال الإبداعية وتهبها الجودة اللازمة للبقاء والتأثير. المشكلة التي يعاني منها النقد الحديث أنه دائم المراجعة لأدوات العمل ومفاهيمها، ما يجعله فريسة الدوران في حلقة مفرغة، فيفقد الاستقرار والانطلاق اللازمين للاستمرار، بل إن من بين النقاد الغربيين من يعرِّف الإبداع بأنه “انزياحٌ مستمر”! ولا يخفى ما في ذلك من مخاطرة تقصِّر من عمر الأعمال الإبداعية وتجعلها رهينة مغامرة تلو أخرى. أمرٌ آخر يتعلق بمفهوم “الاشتباك”، فكثيرٌ مما يلقى من نصوص في مجالنا التداولي غير منسجم مع أنظمة الثقافة العربية، ويصعب على المثقفين المنسجمين مع ثقافتهم إدماجُها فيها، ما يجعلها عديمة الفائدة وقد تُلحق ضررا ببنية المنظومة الخاصة بنا.
لماذا في القصيدة العربية القديمة انفصل النَّفَسُ الملحمي عن الأسطورة، في حين سعى بعض الشعراء في الأدب الحديث إلى توظيف هذا في ذاك، مع لحاظ أن الانفصال لم يأخذ من جودة الشعر القديم،كما أن الارتباط لم يصبغ قيمة إضافية على الشعر المعاصر؟ أظن بأن عمود الشعر العربي يحتفي بالصدق، فزاد ذلك من مصداقية الشعر لدى الأسلاف. أشير إلى أن هنالك شواهد حسنة من الشعر الحديث -الحديث بالمعنى الزمني لا تجربة الحداثة الشعرية- أطالت في القصيد الملحمي ولم تفقد الصدق في الشعر، تستحق أن تُقرأ وتُنقد، منها “إلياذة الجزائر” للشاعر مفدي زكرياء.
إذا كان كل هذا التقدير للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من قبل شعراء الشرق المسيحيين، ولا ريب أنهم قد علموا بمعجزاته إذ بجَّلوه، وآخرها شفاء الطفل محمد باستغاثة أبيه مارون عبود، فلماذا لا يدخل هؤلاء الشعراءُ في هذا الدين، فيجمعوا بين الرسالة المحمدية والعيسوية؟ فلعل محمدا الرسول أن يشفع لهم بها عند ربهم يوم القيامة.
الأدبُ المهجري أعتبره تجربة أدبية شرَدت من الأدب العربي ولم تتمكن من الرجوع إليه ولم تلتحق بغيره. والدليل على ذلك أن حياتها انتهت في زمان ومكان محددين، وهي تجربة لم تتفرَّخ عنها تجارب أدبية مستوحاة منها، بخلاف الأغراض المعروفة في الشعر والنثر العربيين. من المهم لمن يدرس هذه التجربة الشاردة، أن يستحضر مسار التطور في أدبنا العربي منذ نشأته وحتى ازدهاره ويلتفت إلى العوامل الراكزة التي أثرت فيه عبر قرون؛ لأن الرابطة القلمية اعتدت بالقطيعة مع الماضي وحاولت تقديم مجال فكري مرافق للكتابة الأدبية لم يك منسجما تماما من البيئة الطبيعية التي درجت عليها اللغة العربية.
لا أحبِّذ حصر المعرفة في الشعر والفلسفة والعلم، هنالك صرحٌ جليل القدر والتأثير هو الإيمان بمفهومه الإسلامي، الذي بسببه بُعثت العربية وبُعثت معها الحضارة التي سادت في الشرق والغرب. لا أعتقد بأن البصريين كانوا متدينين لما وضعوا القرآن الكريم مصدرا أول للغة، وكذا سائر المدارس اللغوية والنحوية. ولا أعتقد بأن التعليم وتردي مستوى اللغة كافيان وحدهما لتفسير ما آل إليه الشعرُ العربي في أدبنا المعاصر من ضعف. هناك مقولة لشاعر أقره عليها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، أجدها أصدق تفسير لهذا الذي يشكو منه الشعراء، مقولة “ألا كل شيء ما خلا الله باطل”، فلنبحث عن الله في الشعر، كما نبحث عنه في كل مجال نراه متراجعا. ثم إن للأستاذ عباس محمود العقاد -وهو من رواد الأدب الحديث الذي لا يزال أدبُه النابض بالحياة يفتننا- رأيًا حصيفًا في تجربة الشعر الحديث، فلعلَّ مُدارسة رأيه فيها بعثٌ جديد للشعر.