-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

واجهات المحلّات التجارية: ليْتَنا نقْتَدِي بالكِيبِك!

واجهات المحلّات التجارية: ليْتَنا نقْتَدِي بالكِيبِك!

تدرك المجتمعات الحيّة أن اهتمامها بلغتها من أساسيات قوتها في عالم اليوم الذي تتنازع فيه الثقافات أو تتقارب. ولذا فالواقع يفرض علينا أن نُعيد النظر بجدّية في موقع اللغة العربية في الفضاء العام بالبلاد، ولا سيما في الواجِهات التجارية والإعلانات الإشهارية.

إن المُتجوّل اليوم في شوارع كبريات مدننا يلحظ أكثر فأكثر طغيان اللغات الأجنبية (الفرنسية والإنكليزية) على واجهات المحلّات، والمراكز التجارية، واللوحات الإشهارية، حتى لتبدو العربية لغة ثانوية مُهمّشة في هذه الأماكن العمومية الحسّاسة.

هذا المشهد لا يليق بلغةٍ هي اللغة الرسمية للدولة، والمادة الصريحة في الدستور تنص على وجوب ترقيتها وحمايتها. وهذا الواقع يعكس بحدّة تهميش الإطار القانوني الذي يُلزم التجار والمؤسسات باحترام اللغة العربية في الفضاء العام. وهنا تطرح تجربة الكيبك نفسها كنموذج جدير بالاستلهام. ذلك أن هذه المنطقة الكندية قد نجحت في جعل الفرنسية حاضرة بقوة على الرغم من محيطها الناطق بالإنكليزية.

في الكِيبِك: القانون 101 كدرعٍ للغة الفرنسية

في مقاطعة الكِيبِك -التي تضم حوالي 9 ملايين نسمة وسط بحر من المتحدثين بالإنكليزية في كندا والولايات المتحدة- كان الخوف كبيرا من ذوبان الفرنسية وتراجعها أمام المدّ الأنكلوساكسوني. ومن هنا جاء ميثاق اللغة الفرنسية، المعروف بالقانون 101، الصادر سنة 1977 والذي يتم تعديله دوريا. وآخر تحديث له تم خلال هذا الصيف. وقد اعتُبر هذا القانون استجابة عملية لحاجة ملحّة تمسّ المجتمع برمته: حماية الفرنسية كلغة عمل، وفضاء عام، وتعليم، وإعلام.

وقد شمل القانون مجالات دقيقة، أبرزها:

1) الواجهات والإشارات التجارية: إلزامية كتابة النصوص بالفرنسية بشكل بارز وواضح، مع إمكانية إضافة لغات أخرى شرط أن تكون النصوص الفرنسية أكبر وأوضح.

2) الإشهار والإعلام: فرض نسخة بالفرنسية لأي إعلان يُبث في التلفزيون أو الراديو أو الفضاء العام، مع منع تغليب اللغات الأخرى عليها.

3) الأسماء التجارية: ضرورة تسجيل المؤسسات والشركات بأسماء فرنسية، فحتى لو استُخدمت أسماء أجنبية لا بد أن تُضاف إليها صيغة فرنسية.

4) السينما والملصقات: لا يُعرض فيلم إلا مترجما أو مدبلجا إلى الفرنسية، وكذا الإعلانات المصاحبة له لا بد أن تكون بالفرنسية أيضا.

لقد أدى هذا الحرص القانوني إلى إعاد التوازن بين الفرنسية والإنكليزية في المنطقة، بل جعل اللغة الفرنسية في المقام الأول في كل مكان عام، ضمانا لعدم تهميش متحدثيها في سوق العمل والحياة اليومية. والأهم من ذلك أن القانون لم يكن إجراءً قمعيًا، بل إطارا موضوعيا يضمن عدالة لغوية، ويمنح المجتمع شخصية متماسكة.

وإذا ما تأملنا في رأي هذا القانون حول الواجهات التجارية واللافتات وجدنا أنها من أبرز المجالات التي يطالها القانون 101. ذلك أنه يُلزم أصحاب المحلات والمراكز التجارية والمطاعم وكل الفضاءات الاقتصادية بأن تكون اللغة الفرنسية الأكثر بروزا ووضوحا على الواجهات، سواء تعلق الأمر بالاسم التجاري أو باللافتات الإرشادية أو بالإعلانات المثبّتة على الجدران والطرقات. وكما أسلفنا، يسمح القانون باستخدام الإنكليزية أو لغات أخرى شريطة أن تكون الفرنسية أكبر حجما وأكثر وضوحاً للزبائن والمارة. فعلى سبيل المثال، إذا كُتبت الكلمة الإنكليزية “Open” (مفتوح) على باب محلّ تجاري، يجب أن يُكتب مقابلها الفرنسي “Ouvert” بخط أوضح لا يقلّ عن ضعف حجم الكلمة الإنكليزية، وإلا عُدّت مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون.

وقد أنشأت السلطات في الكيبك هيئة متخصصة، هي “ديوان اللغة الفرنسية في الكيبك” لمراقبة مدى احترام هذه القواعد في الميدان. وتمنح هذه الهيئة، في البداية، إنذارات كتابية للمخلّين بالقانون، مع مهلة لتصحيح المخالفة. وإذا لم يتم التصويب يُفرض على المخالف غرامة مالية تتراوح بين 1500 و20000 دولار، وتتضاعف الغرامة عند تكرار الانتهاك. هذا النظام الصارم جعل المحلات في الكيبك متشابهة في أمر واحد: الحضور الطاغي والواضح للفرنسية على كل واجهة تجارية أو لافتة عامة.

في الجزائر: تهميش القوانين

في الجزائر، ورغم المكانة المخصصة للغة العربية في الدستور فإنها ما زالت غائبة أو مُغيّبة في بعض الأماكن العامة، وبوجه خاص في الواجهات والإعلانات التجارية في الشوارع إذ نلاحظ أسماء مكتوبة حصرا بالفرنسية أو الإنكليزية وكأننا في بلد آخر. لا بد أن ندرك أن هذا الغياب ليس مجرد خيار تجاري بل هو انحراف ثقافي يهدّد مكانة اللغة العربية في النفوس، ويُربّي أجيالا ترى في لغتها لغة ثانوية “تؤول فائدتها إلى الصفر” (بالتعبير الرياضي). والسبب الرئيسي في ذلك تهميش النصوص القانونية الصريحة والنافذة التي تَفرض على أصحاب المحلات احترام اللغة الأولى في البلاد.

وبدون الخوض في القوانين الموجودة والتي يمكن تحيينها -كما فعلت الكيبك- نرى من الحكمة ألا نواصل تجاهل مثل هذه القوانين التي تحمي اللغة العربية في الفضاء العام وذلك بالتركيز على:

1) التوافق مع الدستور: حماية العربية في الواجهات والإعلانات التجارية هو تفعيل لما نصّ عليه روح الدستور.

2) الهوية الوطنية: العربية لغة رسمية تعدّ أحد أعمدة الهوية الجزائرية، والتفريط فيها في الفضاء العام هو تفريط في رمز سيادي.

3) المساواة بين المواطنين: عندما تُكتب الإعلانات بالفرنسية أو الإنكليزية دون لغة وطنية، فإن شريحة واسعة من المواطنين تُقصى من الفهم والتفاعل، وهو إقصاء غير عادل.

4) التنمية الاقتصادية: أثبتت تجربة الكيبك أن حماية اللغة لا تُعيق الاستثمار ولا السياحة، بل تمنح السوق هُويّة واضحة ومميَّزة.

وفي انتظار ذلك، يمكن  -بل يستحسن- إطلاق حملات توعية تؤكد على أن الأمر ليس تضييقا على التعددية اللغوية، بل حماية لعنصر من عناصر الهُوية الوطنية واحتراما للشخصية الجزائرية. وقد يذهب البعض إلى القول إن تطبيق مثل هذه القوانين سيضرّ بالاستثمار الأجنبي أو يُقيّد حرية التعبير. وهذه الحجة مردودة على أهلها لأن القوانين اللغوية موجودة في معظم دول العالم، من فرنسا إلى إسبانيا وصولاً إلى كندا، ولم تُحرم هذه الدول من استقبال السوّاح والاستثمارات الأجنبية. ثم إن حرية التعبير لا تعني تهميش لغة المدرسة في البلاد بل تقتضي ضمان حضورها في الفضاء العام بما يكفل المساواة وخدمة هذه المدرسة. كما أن المستثمر الجادّ يتأقلم دائما مع بيئة البلد، والصين أحسن مثال على ذلك… بل يرى المستثمرون في وضوح هُوية المكان عامل استقرار يخدم مصالحهم.

إن مسؤولية حماية اللغة العربية هي مسؤولية الدولة في المقام الأول. فلا شيء كفيل بتغيير هذا المشهد سوى تطبيق القانون، وهذا ما أثبتته تجربة الكيبك. ويخطئ من يرى في هذا الأمر تعصّبا أو انغلاقا، بل هو دفاع مشروع عن عنصر من عناصر هُويّة أمة. وخلاصة القول إن اللغة العربية في البلاد تستحق أن تكون حيث ينبغي أن تكون: في الواجهة، لا في الهامش!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!