وباء الإجرام؟
يُعرّف الوباء علميا بأنه الداء الذي ينتشر بشكل مفاجئ وسريع في منطقة معيّنة جغرافيا، ويكون الانتشار فوق معدلات هذا المرض المعروفة والمعتادة في العالم بأسره، وهو في غالب الأحيان مُعد، كما حدث مع الطاعون في أوروبا والأنفلونزا القاتلة في إسبانيا في بداية القرن الماضي، وهو تفسيرعلمي يكاد ينطبق على الإجرام الذي جاوز كل معدلاته في الجزائر، والذي انتشر بشكل رهيب في كل مناطقها، خاصة ما تعلق بخطف الأطفال والاعتداء عليهم وقتلهم بطرق لم نسمع عنها من قبل.
وإذا كانت الجزائر تفتخر بمدنها الحضارية التي صنعت التاريخ وأنجبت العظماء مثل الجزائرالعاصمة وقسنطينة وتلمسان وغرداية، وكلها احتضنت أو ستحتضن تظاهرات عاصمة الثقافة العربية أو الإسلامية أوالأمازيغية، فإن من “الصدف” الرهيبة أن هته المدن العريقة جدا، هي التي صنعت الآن الحدث، وطُعنت بعنف في الأيام الأخيرة بجرائم قتل مروّعة طالت البراءة، من شيماء العاصمة إلى مهدي غرداية وسناء تلمسان وانتهاء بهارون وإبراهيم قسنطينة، وهو ما يجعلنا نشعر بأن الإجرام في أبشع صوره قد صار وباء منتشرا في كل البلاد من غربها إلى شرقها، ومن عاصمتها إلى صحرائها، وتمكن من عواصم هته المناطق، فما بالك بأريافها! ونتأكد بأن الجميع متورط في هذا الانتشار المرعب لهذا المرض الاجتماعي الفتاك الذي صنع يومياتنا.. وأي يوميات؟
وإذا كان للوباء أسباب علمية، أهمها إهمال المجتمع طرق الوقاية وجهله لطرق العلاج، فإن لوباء الإجرام في الجزائر أسبابا اجتماعية وعلمية واقتصادية وثقافية وسياسية وخاصة قانونية، في غياب كامل لدور وزارة الشؤون الدينية والإعلام وإفلاس دور الأسرة والمدرسة، وهو ما يجعل العلاج معقدا والشفاء مستبعدا، ويحتاج إلى ثورة حقيقية في المجتمع تبدأ بالمصالحة مع الذات وبالتطبيق الصارم لأي قانون يرتضيه المجتمع من طرف دولة قوية لا تنظر إلى اسم الضحية ولا إلى نسب المتهم، ولا تنسيها مأساة هارون وإبراهيم في مأساة سوناطراك، وغيرها من المآسي، التي ما كانت لتحدث بهذا الشكل المروّع لو كانت الدولة قوية، وما كانت لتحدث بهذا الشكل الرهيب لو كان الشعب بكل أطيافه واعيا ولم يهمل جمهورية التربية والتعليم التي أسسها الشيخ ابن باديس منذ ثمانين سنة، ونسفها السفاحون الجدد في معقل ابن باديس وفي معاقل الشيخ بيوض وغيره من رجالات العلم.
كثيرون اعتبروا ما يحدث من إجرام في الجزائر أشبه بالمرض النفسي، وبعد تشعّب هذا المرض في كيان الأمة فإننا قد نصبح في حاجة إلى مستشفى للأمراض العقلية بحجم بلد، ونذكر جميعا أن ألمانيا ما زالت تبكي الطفلة “ماغدالينا” التي اختفت منذ ثلاثين سنة، بينما أنستنا شيماء في ياسر وصابر، وأنستنا سناء في شيماء، واختلطت علينا الجرائم! وعندما نصل إلى هذا الحد من النسيان، فسنكون معرضين إلى التعقيم والتطعيم ضد الإحساس بالكارثة، ويدخل استثناء الإجرام الحياة العادية، ويصبح السلم والهناء هو الاستثناء، ويتمكن الوباء من أجسامنا.. إن لم يكن قد تمكن فعلا.