.. وتنتصر المقاومة
.. وأخيرا وضعت العربدة الإسرائيلية على غزة أوزارها بعد أسبوع من العدوان والحقد، سقط فيها 124 شهيد وانهارت عشرات المباني والمؤسسات الرسمية، وكل من اشتبهت فيها أعين الأقمار الصناعية وطائرات التجسس الإسرائيلية بإيواء المقاومة أو أسلحتها، وهي مشاهد مأساوية تتكرر كل مرة، وتحت نفس المبررات، ما يجعل جهود إعادة البناء وجمع أموال القوافل والمساعدات مجرد عبث لا جدوى منه.
ومن دون شك، فإن الخبراء سينكبّون على دراسة تفاصيل هذه المواجهة العسكرية، انطلاقا مما جرى وحدث وراء الستار، ويبحثون من المنتصر ومن المنهزم، عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا، وإذاما تغيرت المعادلة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، وإمكانية تأثير ما حدث على مسار الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ولعل أهم محصلة، هو خروج المقاومة منتصرة، رغم التكلفة البشرية والمادية الكبيرة، وذهابها إلى حد الإصرار على انتزاع ضمانات تمنع تكرار العربدة الإسرائيلية ككل مرة، وتخرّب ما بني على قلته، حيث أن أثار حرب 2008 مازالت قائمة، وتجهض كل المساعي الدبلوماسية لاستعطاف الدول الشقيقة لإعادة البناء، مثلما هو شأن زيارة أمير قطر، إلى غزة وما أعلنه من مساعدات وبرامج سكنية.
وفضلا عن عودة روح التضامن بين حركة فتح وحماس وسط حرارة استثنائية تغمر حديثهما عن المصالحة وتأسيس الدولة الفلسطينية، طالب السفير الفلسطيني بأنقرة بإرسال قوة مصرية تركية مشتركة إلى الحدود بين إسرائيل وغزة لمنع أي عدوان جديد، وكسر الحصار المضروب عليها منذ 5 سنوات، في حين دعا آخرون إلى بعث وساطة بين إسرائيل وحماس تحت إشراف بيل كلينتون، وهو تصرف ينزع عن المقاومة شبهة الإرهاب التي أصبحت ديدن إسرائيل للترويج لأي عمل عسكري ضد المقاومة.
كما أعادت تداعيات الحرب على غزة الدور المصري إلى الواجهة، ليس كوسيط كما كان شأن النظام السابق، بل كطرف ملتزم ومسؤول، حاول إعطاء بعد إيجابي لثورة الربيع العربي، وقناعات جبهة الإخوان السياسية الناشئة في المنطقة المدافعة عن مبدأ المقاومة، وإن لم يبلغ الأمر حد التأزيم والمواجهة، حيث تراجعت إسرائيل عن تنفيذ العملية البرية، ما أعفى السلطة الجديدة في القاهرة من الحرج، لأن أي موقف آخر غير الذي عبّرت عنه، يعني المواجهة مع إسرائيل، أو على الأقل مراجعة إتفاقية كامب ديفيد، خاصة وأن الكثير من الصحف المصرية تناقلت خبر إعلان التعبئة العامة في مصر، وإن سارعت الحكومة إلى نفي الأمر، ضمن بالون اختبار، وهو أمر يعتبر من المحاذير التي يجب على إسرائيل تجنبها.
وفوق كل هذه المكاسب، تبدو إيران أكبر المنتصرين، حيث كسرت وقائع الحرب على غزة الحصار المضروب على طهران، وأبرزت بما لا يدع مجالا للشك أن العدو الحقيقي في المنطقة هو إسرائيل، خاصة وأن المقاومة أكدت أنها استعملت صواريخ من إنتاج إيراني، وأنها لم تكشف إلى حد الآن أنواعا أكثر تطورا، ربما فضّلت تركها لمواجهة العملية البرية، وهو ما يجعل الرأي الإسرائيلي وخبراءه تحت الرعب والضغط.
ولعل أهم ترجمة لهذه المحصلة هو إعلان طهران عن لقاء بين الرئيس الإيراني والمصري والتركي، في قمة ثلاثية في إسلام أباد، على هامش اجتماع مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية “D8” الذي سيعقد غدا الخميس، وهو ما من شأنه أن يؤسس لتصور مشترك جديد يتماشى ووقائع ونتائج الحرب على غزة.