“وحشية قرننا”… العالم في مرحلة “ما بعد الأقنعة”
هناك لحظات في التاريخ لا يعلن فيها العالم أنّه تغيّر… لكن كل شيء من حولك يُخبرك أنّه لم يعد كما كان. لحظات لا يدوَّن فيها بيان رسمي، ولا ينعقد مؤتمر استثنائي، ولا تخرج التصريحات الكبيرة، لكن الخرائط تتحرّك، والقوى تتبدّل، والمعايير تنهار بصمت ثقيل يشبه هدير زلزالٍ لا يسمعه أحد… إلا من يضع أذنه على قلب الأرض.
الفصل الثامن من كتاب «وحشية قرننا» يقف عند هذه اللحظة. لا يزوّقها، ولا يفسّرها، ولا يحتفل بها، بل يحاول ــ بقدرٍ كبير من الجرأة ــ أن يفكّك اللحظة الكوكبية التي يعيشها العالم الآن: لحظة الانحدار الغربي، وصعود نظام عالمي لا يشبه أي شيء عرفناه في القرنين الماضيين.
هذا المقال ــ الثالث من السلسلة ــ لا يشرح الفصل، بل يحفر تحته. يبحث عمّا وراءه. عمّا يُقال فيه صراحة، وما لا يُقال إلا همساً في الهوامش وفي الظلال.
- الغرب الذي يفقد القدرة على إخفاء ضعفه في الصفحات الأولى من هذا الفصل، يُدرك القارئ أنّ الغرب لا ينهار فجأة، ولا يسقط مثل تمثال، بل يذوب… ببطء… كما يذوب الجليد حين يفقد قوته أمام شمس الحقيقة.
لعقود طويلة، كان الغرب ينجح في تغطية تناقضاته: بين قيمه ومصالحه، بين مبادئه وممارساته، بين خطابه وسلوكه.
لكنّ اللحظة التي يكشفها الكتاب تقول شيئاً مختلفاً: الغرب لم يعد قادراً على تغطية شيء. لم يعد يستطيع أن يبرّر، ولا أن يقنع، ولا أن يفسّر. بل أصبح يعيش على ما تبقّى من صورته القديمة، كما يعيش الإرث على اسمٍ أحرقه أبناؤه.
الكتاب لا يشمت في الغرب، ولا يقف ضده، بل يشرح نقطة حساسة جداً: أنّ القوة التي تفقد القدرة على إخفاء ضعفها… تبدأ مرحلة السقوط الحقيقي.
- نهاية العصر الأميركي… بصمت الفصل الثامن لا يتحدث عن سقوطٍ عسكري، ولا عن إفلاس اقتصادي، بل عن شيء أعمق: سقوط المكانة الأخلاقية.
الولايات المتحدة ــ كما يلمّح المؤلف ــ فقدت أكثر ما تملكه: قدرتها على تعريف العالم، وترتيب الحقائق، وتحديد من هو الشر، ومن هو الخير، ومن يستحق الحياة، ومن يستحق الموت.
لم تعد أمريكا تُدير العالم، بل تُدير ما تبقّى من قدرتها على إقناع العالم بأنها ما زالت في موقع القيادة.
وهذا ــ في المنطق السياسي ــ أخطر من الهزيمة العسكرية.
- أوروبا… القارة التي عادت تبحث عن ظلّ أحد أوروبا ــ كما يصفها الفصل ــ لم تعد هي أوروبا التي عرفناها: قارة صانعة للفكر، ومصدّرة للقيم، ومحركة للحداثة.
لقد تحوّلت إلى ما يشبه “ردهة انتظار”، تتردد فيها الخطوات، لكن لا يوجد اتجاه واضح للخروج. تتخذ مواقف لا تؤمن بها، وتصمت خوفاً من أن تقف منفردة، وتتشدّق بالقيم التي لم تعد تملك ثمن الدفاع عنها.
الكتاب يقولها بطريقة قاسية دون أن يستخدم أي كلمة قاسية: أوروبا اليوم ليست قوة… بل أثر قوة.
- النظام الدولي: فراغٌ يُملأ بسرعة حين يضعف مركز، لا يبقى الفراغ فارغاً طويلاً. وهنا يلتقط المؤلف أحد أهم خطوط التحوّل:
صعود الصين بلا ضوضاء، انبعاث روسيا رغم محاولات العزل، انزياح الهند نحو استقلالية غير مسبوقة، عودة تركيا وإيران إلى حسابات القوة، وتحوّل الجنوب العالمي من “جمهور” إلى “فاعل”.
هذا ليس تعددية قطبية كلاسيكية، بل فوضى انتقالية منظمة، تتشكل فيها موازين جديدة، وتنتهي فيها فكرة “العالم الذي يدار من غرفة واحدة”. الغرب كان غرفة القيادة. الغرب لم يعد تلك الغرفة.
- لماذا يعود العالم إلى ما قبل وستفاليا؟ الفصل الثامن يطرح فكرة لافتة: العالم يعود إلى ما قبل 1648، إلى ما قبل قيام “النظام الدولي” كما نظّر له الغرب، إلى مرحلة تسبق التعريف الحديث للدولة، للقانون، للسيادة، للحدود.
لماذا؟
لأن القوة ــ كما يقول المؤلف ــ لم تعد بحاجة إلى الشرعية لتستخدم نفسها. ولأن القانون الدولي فقد وظيفته. ولأن المنظمات الدولية تحوّلت إلى أدوات ناعمة بيد الأقوياء. ولأن الغرب لم يعد قادراً على فرض مفاهيمه على الآخرين.
لقد انتهت دورة الغرب، وبدأت دورة جديدة… لم تتبلور ملامحها بعد، لكنّ اهتزازها محسوس في كل مكان.
- الخوف الكبير: أن يُعاد تعريف الإنسان نفسه أخطر ما في الفصل الثامن ليس السياسة، ولا الجغرافيا، ولا الموازين الجديدة. أخطر ما فيه هو الفكرة التي يمرّرها المؤلف دون أن يضع تحتها خطاً:
العالم لا يشهد فقط تغيّر القوى… بل تغيّر الإنسان نفسه.
الإنسان الذي كان مركز الأخلاق، ومركز القانون، ومركز الخطاب، ومركز العدالة، تحوّل ــ ببطء ــ إلى “موضوع” تتفاوض القوى الكبرى على طريقة عرضه وإخراجه.
لم يعد الإنسان مركز النظام الدولي، بل أصبح تفصيلاً داخله، مجرد رقم، أثر طيف، متغيّر في معادلة أكبر منه.
وهذا… هو تعريف الوحشية الحديثة.
- لماذا يجب على القارئ العربي والمسلم أن يفهم هذا التحوّل؟ لسبب بسيط جداً: لأن هذا التحوّل يقع عليه… لا بعيداً عنه.
حين ينهار الغرب، لا ينهار وحده. وحين يتعدد مركز القوة، تتغير قواعد اللعبة. وحين تفقد الأخلاق مكانتها، يصبح الضعيف أكثر ضعفاً، والصامت أكثر انكشافاً، والمتردد أكثر عرضة للابتلاع.
والعرب والمسلمون ــ كما يلمّح المؤلف ــ إما أن يفهموا هذا التحوّل الآن، أو سيجدون أنفسهم ــ مرة أخرى ــ يناقشون العالم بلغته… لا بلغتهم.
- ما الذي يمهّد له هذا الفصل… وما الذي سنكشفه في المقال القادم؟ هذا الفصل ليس استنتاجاً، ولا خلاصات نهائية، بل مقدمة لمرحلة أخطر: مرحلة سقوط “مرجعية الغرب”، مرحلة انكشاف “الهندسة الدولية”، مرحلة انتقال القوة من خطاب الأخلاق إلى خطاب المصالح، مرحلة دخول البشرية إلى “زمن بلا مركز واضح”.
وهنا، يصبح السؤال: ما الذي سيحدث للإنسان نفسه داخل هذا النظام؟
هذا ما سيكشفه المقال الرابع: ليس سقوط الغرب، ولا صعود الشرق، بل سقوط الإنسان بينهما… والبنية التي تُعيد تشكيل الوعي البشري كي يناسب العالم الجديد.
لأن الوحشية — كما يقول الكتاب — لم تعد فعلاً… بل أصبحت نظاماً.