الرأي

“وحشية قرننا”… حين تتحوّل الرواية إلى سلاح (2)

لعلى بشطولة
  • 475
  • 0

حين أغلق القارئ الصفحة الأخيرة من المقال الأول، لم يُغلق باباً، بل فتح ممراً يقوده، خطوة بعد خطوة، إلى قلب المنطقة التي لا تُرى: المنطقة التي تتحوّل فيها المأساة من حدثٍ إلى ملف، ومن صرخةٍ إلى تقرير، ومن جريمةٍ إلى “سياق”. وكتاب «وحشية قرننا» لا يكتفي بأن يضع القارئ أمام الحقيقة، بل يجرّه نحو الطبقة التي تأتي بعدها: طبقة الصناعة؛ صناعة الحقيقة، صناعة الرواية، صناعة الوعي.
في الفصل الأول من الكتاب، واجهنا الدم. وفي الفصل الثاني من هذه السلسلة، نواجه ما هو أخطر من الدم: الآلة التي تُدير شكل الدم، ولون الدم، ومساحة الدم في المشهد العالمي. في هذا الكتاب لا يبدأ المؤلف من الأعلى كما تفعل الكتب التقليدية، بل يبدأ من نقطة صغيرة تكبر مع كل صفحة: كيف يُعاد تركيب العالم في الإدراك العام؟ كل جملة في الكتاب تحمل خلفها سؤالاً غير منطوق: هل ما نراه هو ما حدث… أم ما سُمِح لنا أن نراه؟ هل الحدث هو الأصل أم الصورة؟ هل الحقيقة هي ما يجري أم ما يُقدَّم لنا باعتباره “ما جرى”؟ هنا يبدأ القارئ بالشعور بأنّ العالم الذي يعيشه ليس متماسكاً كما ظنّ، بل مركّباً – بعناية – كقطع فسيفساء يختار النظام الدولي ألوانها وزواياها وحوافّها.
المؤلف لا يتّهم أحداً، لكنه يُعرّي بنية كاملة تشتغل في الخلفية منذ عقود: بنية تُحوّل الواقع إلى منتج إعلامي، والألم إلى مادة قابلة للقصّ وإعادة الترتيب، والإنسان إلى عنصر غير مركزي في القصة. إذا كان المقال الأول كشف مشهد الدم، فإنّ هذا المقال يكشف أدوات التنظيف. فاللغة -كما يظهر في فصول الكتاب – لم تعد مرآة، بل آلة تلميع. الكلمات التي نسمعها كل يوم ليست محايدة، بل مصمّمة كي تُخفي أكثر مما تُظهر. كل مفردة تحمل بصمتها السياسية: من كتبها؟ من راجعها؟ من سمح بخروجها؟ من دفع ثمن تكرارها؟
الكتاب لا يقول إنّ اللغة تُضلّل، بل يقول شيئاً أخطر: إنّ اللغة تُخدّر. أن تُسمّى المجزرة “عملية”، وأن يُسمّى القصف “استهدافاً”، وأن يُسمّى التهجير “نزوحاً”، وأن يُسمّى الجوع “ضغطاً إنسانياً”، فهذا ليس مجرد تلاعب لغوي، بل محو تدريجي للضمير. يكشف الكتاب – بين السطور – أنّ ما يحدث في العالم ليس نتيجة فوضى ولا اندفاعات سياسية ولا حسابات طارئة، بل هو – ببساطة – هندسة. هندسة تُشارك فيها الحكومات والتكتلات الاقتصادية والتحالفات العسكرية وحتى مؤسسات الإعلام الكبرى. فيظهر للقارئ أنّ الكارثة لا تبدأ حين يبدأ القصف، بل حين تبدأ الاجتماعات: حين تُمنح الإذن، ويُحدَّد السقف، وتُرسم الطريقة التي يجب أن تُعرض بها المأساة والطريقة التي يجب أن تُنسى بها فيما بعد.
المؤلف لا يطرح هذا كتحليل، بل يجعل القارئ يلامسه من خلال “الفراغ بين السطور”: ذلك الفراغ الذي يلمّح إلى أنّ العالم لم يعد يتقدّم وفق الأخلاق، بل وفق تكنولوجيا إدارة الصورة. في ذروة الكتاب تتبدّل زاوية النظر: لم يعد السؤال ماذا حدث؟ ولا من فعل؟ بل: ماذا حدث لنا؟ كيف أصبحنا نرى الدم… ثم نكمل يومنا؟ كيف أصبحنا نتلقى المأساة كإشعار هاتفي؟ كيف صارت المدن المدمّرة جزءاً من “ضجيج الأخبار”؟ كيف صار صراخ الناجين مجرّد خلفية صوتية في نشرات العالم؟ الكتاب لا يفضح الإنسان، بل يوقظه من الغيبوبة الطويلة التي أدخلته إليها وسائل الإعلام والمنصّات وتكرار الصور وتطبيع المشاهد. الإنسان – كما يكشف الكتاب – لم يفقد قدرته على الشعور، بل فقد المساحة التي يُسمح له فيها بأن يشعر. المقال الأول أزال القناع. هذا المقال يكشف اللحم الحيّ تحت القناع. والخلاصة التي يريد الكتاب أن يصل إليها القارئ – من دون أن يقولها – هي أنّ القوة الحديثة لم تعد في السلاح ولا الاقتصاد ولا النفوذ السياسي، بل في القدرة على تحديد “ما هي الحقيقة”؟
من يملك رواية العالم يملك العالم. ومن يملك اللغة يملك التاريخ. ومن يملك الصورة يملك الضمير الجمعي. ومن يملك المنصّات يملك ما يراه البشر وما لا يرونه. وهذا، تحديداً، ما يجعل «وحشية قرننا» كتاباً مقلقاً، واضحاً حدّ الإيلام، وصادماً، لأنه لا يقدّم نظريات، بل يقدّم مرآة؛ مرآة لا تعكس العالم كما يبدو، بل كما هو.
الكتاب لا يبحث عن جمهور ولا عن ضحايا ولا عن مؤيّدين. إنه يبحث عن شهود؛ شهود يرون، ولو مرّة واحدة، العالم بلا رتوش. وما يفعله هذا المقال – الجزء الثاني من السلسلة – ليس تفسير الكتاب، بل كسر السردية التي تحاول القوى الكبرى حمايتها. أما المقال الثالث فسيكون الدخول إلى النواة القاسية للكتاب: كيف تُدار الحقيقة على المستوى الدولي، كيف يُعاد تشكيل الوعي في غرف مغلقة، وكيف تحوّلت الأخلاق العالمية إلى “ديكور” يُستحضر حين يلزم ويُخفى حين يصبح عبءاً. لأن الحقيقة – كما يقول الكتاب من دون أن يكتبها – لا تحتاج إلى ضوء… بل إلى قارئ لا يخاف أن يفتح عينيه.

مقالات ذات صلة