الرأي

وداعًا يا آخر الأصفياء…!

عبد الرزاق قسوم
  • 2274
  • 6

هل رأيت _يا قارئي العزيز- جوهرة سوداء مضيئة، يُستضاء بها في الليالي الحالكات حتى غدت رمزًا للنور، وقهرا للديجور، وقدوة للجمهور؟.وهل أتاك حديث ابن إفريقيا، آخر المخلصين، والأصفياء، وصيغة منتهى الزعامة والزعماء، الذي قهر الطغاة بقامته، وهزم المعاناة بابتسامته، وقاد الجماهير بسبابته؟

إنّه نيلسن مانديلا، الذي كان في حياته عبرة، وفي موته تذكرة، فقد وسِع قلبه طيلة حياته، كلّ المناضلين المتناقضين في إفريقيا، فوّحد نضالهم، وسدد نصالهم، وقوّم خصالهم. كما احتضن موكبه في موته كلّ الرؤساء المتشاكسين والزعماء المتخاصمين فرَسَم لهم بموته طريق العظمة الملبّد بالعناء والمعاناة، والمطوّق بالكفاح والجراح، الموصل إلى النّجاح والفلاح.

كم كان مانديلا، رمز المؤمنين بالعدل والحرّية، وقائد المناضلين ضدّ الظلم والعنصرية، كما كان ملهمًا، حينما طلب الموت فوُهبَت له الحياة، وحين جاءته الرئاسة منقادة إليه تجرجر أذيالها، فنكف عنها، وسلمها للشباب من مناضليه، وآثر أن يعيش رمزًا، يُعلِم الجميع بسلوكه وقدوته: أنّ النضال منهج، وأنّ الاستقلال وسيلة لإسعاد الجماهير، فإذا هي لم تنعم بالسعادة فلا كان الاستقلال ولا كانت الحريّة.

فعندما يُغيِّب الموتُ، اليوم وجه الجوهرة الإفريقية السوداء التي ستظلّ -دومًا- مضيئة، فإنّ القراءة الواعية لمسيرة هذا الرجل، يجب أن تلهمنا الكثير من الدروس، والمعاني، وكم تحتاج الإنسانية اليوم، و-إفريقيا بالذات- إلى هذه الدروس والعبر!.

فقل لزعماء إفريقيا، الذين تحلّقوا حول جثمان الزعيم والرمز، وقل للجماهير الإفريقية التي ذرفت الدموع وأوقدت الشموع في وداعه، قل للجميع، إنّ هذا لن يجدي شيئًا في حياتها، إذا هي لم تستوعب درسه، وتتعهد غرسه، وتتقمص روحه ونفسه.

وإنّ دروس وعبر مانديلا لكثيرة، وإنّ روح نضاله وأنفاسه لكبيرة:

1- علَّمنا الزعيمُ الراحل الإيمان المطلق بالحق، والاستهانة المثلى بقوّة العدو، وبذلك كان الصمود المحصِّن للذات، فما وَهَنَ وما ضَعُف وما استكان.

2- إنّ مَهر الحرّية والاستقلال غال لا يناله إلا مَن ملك كلّ الحزم والعزم لبذل الغالي من النفيس والغالي من التضحيات، وقد تجسّد ذلك في نضال مانديلا.

3- رسم الطريق -أمام الجماهير- بالوعي والإيمان بالقضية حتى إذا ما تعاهدت له تلك الجماهير بالبذل والفداء، فتحقق لها الرجاء والرخاء.

4- إن بين مانديلا في النضال ضد القضية وبين بلال بن رباح في الجهاد والتضحية لخيط رقيق، ودَرْس عميق، فكلاهما هزم العدو بالسبابة المؤمنة، التي تغلبت على فلول الباطل، وجبروته، وقوته، فانتصرت قضية الحريّة ضدّ العنصريين البيض المناهضين لأهل الحق في جنوب إفريقيا، وانتصرت الدعوة الإسلامية في مكة ضدّ المشركين من عُتاة قريش الذين كانوا يطبّقون العنصرية على الإماء والعبيد.

5- إنّ من دروس مانديلا لزعماء إفريقيا أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأنّ ثمن النضال والتضحية ليس بالكسب الفردي، وإنّما بالكسب الجماعي، وهو أي ينعم الشعب بحقه في الحياة والعزة والكرامة.

لقد عَزَفَ مانديلا عن المسؤولية، وما فيها من مغريات مادية ومعنوية، وآثر أن يعيش مع الجماهير ينفخ فيها من روحه، ويراقب أداء المسؤولية بمِلْءِ معاناته وجروحه.

6 – إنّ من أهّم الدروس التي يجب أن يستوعبها قادة إفريقيا، هي تجسيد التداول على  السلطة بكلّ حرّية وإرادة فيغادر المسؤول السلطة من الباب الواسع لكي يعيش عزيزًا كما عاش مانديلا، ويموت عزيزًا كما مات مانديلا.

وماذا عسانا، نحن في الجزائر، أن نأخذ من سيرة ومسيرة الزعيم الراحل، وهو الذي بدأ نضاله أحضان النضال الجزائري، فاستلهم منه المعاني، ووجد فيه كلّ ما كان ينشده من الدّعم والتفاني؟

إنّ مانديلا، وهو يرحل، في شهر ديسمبر، ليرمز عندنا إلى ربط 11 ديسمبر، بالتحام القيادة بالجماهير، وما أشبه الليلة بالبارحة، وجماهير حي سالامبي (المدنية اليوم) وحي بلوزداد (بلكور أمس) وحي بئر مراد رايس، وغيرها، قد قدمت لمانديلا درسا في الاستهانة بقوّة العدو والتصدي للتحدي الاستعماري بالإيمان والإقدام على التضحية، المبدِّدة بشعارات الوطنية الصادقة، المبدِّدة للشعارات الاستعمارية الجوفاء، الجزائر فرنسية، أو حتى الجزائر جزائرية.

لقد حَمَلت جماهيرنا بَدَلَ ذلك شعارَ “شعب الجزائر مسلم” فأرعبت العدّو بذلك، وقضت على أحلامه.

نحن نذكر اليوم هذه الشعارات الوطنية التي وفقنا الله إلى المساهمة في وضعها، نذكرها حينما نوّدع رمزًا نضاليًا بارزا من النضال الوطني الإفريقي… ونقول للزعيم الراحل: نَمْ هانئًا، فالذين صنعوا رمز النضال في الجزائر، والذين رسموا خط النضال في جنوب إفريقيا، جمع بينهم جامع مشترك أعظم، هو الإيمان الصادق بحق الجماهير في الحياة، وقدرتها على الانتصار.

فوداعًا يا مانديلا… وداعًا أيّها الجوهرة السوداء، التي ستظل مُلهِمة ومضيئة أبدًا.

مقالات ذات صلة