وردة بلاستيكية و”ميل فاي” هدية للموظفات!
أبلغ ما يُمكن أن يكون عنوانا لعيد المرأة في الجزائر هذا العام، هو تلك الصرخة التي أطلقها المتنبي قبل مئات السنين مفادها “عيد بأية حال عدت يا عيد..”، لأن النساء، خاصة العاملات منهن، اللواتي كن ينتظرن يوم الثامن من مارس عاما كاملا لاستقبال المفاجآت والهدايا، سيُصدمن من دون شك هده السنة، لأنهن سيفتقدن هذا التقليد الذي دأبت عليه كثير من المؤسسات في سنوات سابقة بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعيشها الجزائر منذ أشهر عديدة.
بدأت ملامح التقشف في المؤسسات المختلفة تظهر السنة الماضية، وكان ذلك واضحا في نوعية الهدايا التي تم اقتناؤها للموظفات والعاملات والتي خيبت الآمال بعد أن كانت تشرح الصدور وتفرح القلوب قبل سنوات مضت، ففي إحدى المؤسسات التربوية بالجزائر العاصمة، فوجئت السيدة حميدة.ع، وهي مساعدة تربوية، عندما توجهت العام الماضي في عيد المرأة العالمي، وقد بالغت في تحضير نفسها لاستقبال هذه المناسبة، بإعطائها وردة بلاستيكية وزجاجة مشروبات غازية وقطعة حلوى من نوع “ميل فاي”، وهذا ما أدى إلى صدمة هذه الموظفة المسكينة التي عقدت الآمال على أن تحصل في عيدها على هدية قيمة تستفيد منها، أو تضيفها إلى أواني البيت.
ولم تستطع كهينة.س، وهي موظفة بإحدى المؤسسات الاقتصادية، أن تخفي دهشتها وحيرتها، وهي التي قضت أجمل سنوات عمرها في خدمة هذه المؤسسة، عندما استدعاها المدير العام رفقة زميلاتها لإحياء الثامن مارس في جو لم تغب عنه عبارات الشكر والثناء لما قدمنه من مجهود جبار في سبيل خدمة المؤسسة وتطوير أدائها، إلى درجة جعلتهن يطرن فوق السحاب من الإطراء والمدح. لكن، وبعد أن طُويت صفحة الشكر والعرفان، جاءت اللحظة الحاسمة، وهي تلك التي تُوزع فيها الهدايا، لكنها لم تخرج عن زجاجة عطر من النوع الرديء، مع أن هذه المؤسسة الاقتصادية التي كانت تُشغل هؤلاء النسوة يبلغ رقم أعمالها الملايير..
الأدهى من هذا كله، أن الكثير من النساء اللواتي امتهن التربية والتعليم في الجزائر، وهن بالآلاف، يعشن تحت ضغوطات هذه المهنة المتعددة والمتنوعة طيلة أيام السنة، وكثير منهن يخرجن إلى التقاعد بأمراض مزمنة، ناهيك عن عدد المعلمات اللواتي يمتن بسبب تلك الضغوطات، أو يخرجن بأمراض نفسية يستعصى علاجها، ومع ذلك كله، لا يحصلن سوى على نصف يوم إجازة، وهو الموافق لمساء الثامن من مارس، وهو ظلم كبير في حقهن.
من القطاعات التي تستقطب عددا كبيرا من النساء العاملات، قطاع الصحة، الذي يضم هو الآخر الآلاف منهن، ويعرف الجميع تلك الظروف الصعبة التي يشتغلن فيها، دون أن يتم التخفيف عنهن، ولو مرة في السنة، بتوزيع هدايا للرفع من معنوياتهن، خاصة وأن جميع الجزائريين يعرفون أن قطاع الصحة هو من القطاعات التي يُعول فيها على العامل البشري في حسن الأداء وإتقان العمل، للرفع من غبن المرضى الذين يواجهون الأمرين في مستشفياتنا، ولكنه عام التقشف الذي فوت الفرصة على العاملات والموظفات بالقطاع للاستمتاع بالحفل الذي كان في سنوات خلت يقام على شرفهن والاكتفاء بالمشروبات والحلوى وكلمة باهتة من المسؤولين تخرج من وراء القلب، بل هناك مؤسسات أخرى أخرجت الاحتفال بعيد المرأة من حساباتها بسبب العجز الاقتصادي الذي أصاب كل الميادين.
من شدة ما سمعنا عن التقشف هذا العام، إلى درجة أن الخوف بدأ يتسلل إلى القلوب فأنهكها، صار الحديث عن اليوم العالمي للمرأة ترفا لا نجرؤ حتى على التفكير فيه، لكن عزاء بعض النساء أنهن أحرزن مواقع على القوائم الانتخابية، وذلك من شأنه، في حال فوزهن، أن يُمكنهن من تحسين أوضاعهن المعيشية، وتحقيق أحلامهن التي تأجلت كثيرا، ومثل هؤلاء النسوة لا يحتجن إلى التفاتة من البرلمان في عيدهن العالمي، لأن مرتباتهن الضخمة قادرة على تحقيق كل أسباب الرفاهية لهن..