-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وشهد شهودٌ من أهل فرنسا

وشهد شهودٌ من أهل فرنسا

ما قاله المؤرِّخ الفرنسي بنجامين ستورا، والوزيرة السابقة للبيئة سيغولين رويال، في حق الحكومة الفرنسية الحالية والرئيس ماكرون متعددي الأخطاء، تجاه الجزائر، هو تشريحٌ دقيق للتراجع الرهيب الذي تعرفه فرنسا في السنوات الأخيرة، عندما فقدت بوصلتها كدولة عظمى، فحاولت -وهي تنهار- أن تجرّ دولا صاعدة معها إلى الحضيض، الذي قد تصله قريبا.

ولا نظن أن المؤرِّخ بنجامين أخطأ عندما وصف حال القطيعة الحالية بين فرنسا والجزائر، بـالأخطر منذ تأميم المحروقات، ولم تخطئ أيضا سيغولين، عندما اعتبرت “التحرش” بالجزائر هو خطأ فرنسا الأكبر.

هناك رأيٌ في فرنسا يرى أن التاريخ سيعيد نفسه مع فرنسا ومستعمراتها القديمة؛ فعندما قررت فرنسا الاستعمارية التضحية بكل البلدان الإفريقية التي كانت تحت هيمنتها، من أجل الاحتفاظ بالبلاد الكبيرة والثرية الجزائر، فقدت “بلح الشام وعنب اليمن”، وهي تدرك الآن بأن فقدانها للجزائر كشريك أو كما تأمل هي كبلد تجني فيه من دون أن تزرع، سيفقدها بقية البلاد، التي كانت أنظمتها تحمل “أوتوماتيكيًّا” مظلاتها، كلما أمطرت في باريس. ويمكن من دون مبالغة القول إن فرنسا تتعرَّض حاليًّا لشرّ “طردة” في إفريقيا.

يزدحم تاريخ فرنسا الاستعماري برجالات شرٍّ كثّر، فكل أرض وطأتها فرنسا في قلب القارة الإفريقية والآسيوية أو هناك في هايتي، كانت متبوعة بالمجازر والخراب، وإذا كانت البلاد المتحرِّرة تطلب السلم والأمان بعد حصولها على حريتها، فذاك من طيبة هذه الشعوب التي أرادت -عن حسن نيّة- طيّ الصفحات الأليمة، وهذا ليس خوفا من بلاد كانت فعلا في الماضي، ولم تعد الآن وقد لا تكون مستقبلا.

لا يهمّ فرنسا دفن لغتها في الأرض الجزائرية، فهي نفسها ما عادت قادرة عن توقيف الفرنسيين طالبي بقية اللغات وخاصة الإنجليزية، وما عاد يهمّها أن توقف الجزائر وغيرُها من بلاد الجنوب قوافل المهاجرين الأفارقة نحوها، وواضح بأن ما يدور في الكثير من البلاد ما عاد يهمّها، ولكن الذي آلمها هو أنها رأت الجزائر تستقلّ غذائيًّا، فما عاد قمحها وحليبها وجبنها وفاكهتها وجوزها وشوكولاطتها يجد مكانا في الحاويات المسافرة إلى الجزائر، ولا على موائد طعام الجزائريين الذين لا يستلذّون الكسكس إلا من قمح الجزائر، وفطورهم من حليب أبقارنا، وشربتهم من زيوت عبّاد شمسنا، وهي تخشى أن تصل كل هذه الخيرات الجزائرية، إلى بلادها، في قلب للمعادلة التي كانت بها فرنسا ولم تعد الآن وقد لا تكون مستقبلا.

فوجئت فرنسا بالتغيّر الكبير الذي حصل في العالم، مع ظهور قوى اقتصادية جديدة، ولم تكن تظنّ بأن بعضها تسلّل بسهولة جدا وسحب منها مقود السفينة، وفوجئت أكثر بسرعة تخلص البلدان الضعيفة من قبضتها، فما عاد بإمكانها أن تقدِّم نفسها للعالم الثالث، وغيرها أكثر قوة واجتهادا منها، وما عاد بإمكانها مطاولة الدول التي تسير بسرعة وبنزاهة، ونظنها هي نفسها تدرك بأنها كانت بفعلها الماضي، وما عادت، ولن تكون مستقبلا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!