وصفة زروال للتغيير من داخل النظام
مع التحفظ المشروع على صياغتها بلغة المستعمر التي تستفزنا بها النخبة بعد خمسين سنة من الاستقلال، فإن رسالة الرئيس السابق السيد ليامين زروال قد نجحت في طرح مقاربة جديدة، عاقلة، ومتوازنة، تطمح إلى تحقيق موازنة جادة بين حاجة البلاد إلى الاستقرار مع تطويق خطاب الفتنة، والتصدي للمسارات المغامرة، وبين حاجتها الماسة إلى معالجة بؤر الانسداد في نظام الحكم، وهو في هذا الطرح يلتقي مع مضمون رسالة السيد مولود حمروش، على الأقل من جهة الدعوة إلى تحصين التجربة الديموقراطية بإصلاحات دستورية تعتمد لغة التوافق، وإشراك مختلف الفعاليات في التغيير والإصلاح، ومن جهة واجب اقتناص ما تمنحه الأزمات من فرص للتغيير السلس والآمن.
الجديد اللافت في الرسالة، أن السيد زروال يكون قد سلم ضمنيا بفرضية إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة كأمر واقع، حتى وإن كان قد انتقد الانحراف التشريعي الدستوري في تعديل المادة 74 التي “أفرغت مسار التقويم الوطني من محتواه”، ولم يفته الإشارة من بعيد إلى الحالة الصحية للرئيس، بالتأكيد على “أن منصب القاضي الأول يعد مهمة ثقيلة ودقيقة، سواء من الناحية المعنوية أم من الناحية البدنية”، غير أنه يرى أن “العهدة الرئاسية المقبلة، تشكل الفرصة الأخيرة بالنسبة للجزائر، يجب أن تندرج في إطار تصميم وطني كبير، ووفق رؤية مشتركة حول مستقبل البلاد، يتقاسمها مختلف الفاعلين في الساحة الوطنية”.
ولأجل ذلك رافع السيد زروال لصالح “عهدة انتقالية تشكل المرحلة الجدية الأولى لتحقيق قفزة نوعية نحو تجديد جزائري أكثر تطابقا مع التطلعات المشروعة لأجيال ما بعد الاستقلال، وفي تناسق مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم”، وفي الجملة، فإن الرئيس السابق يدعو السلطة والمعارضة إلى نقل الخطاب السائد، من الملاسنات العقيمة حول “عقدة العهدة الرابعة” إلى خطاب سياسي مسؤول، يلزم الرئيس وفريقه بتعهد صريح، يجعل من العهدة الرئاسية القادمة، “عهدة انتقالية نحو مرحلة جديدة” تقبل فيها السلطة القائمة بالمبدأ الركن في الديمقراطية الذي “تتعايش فيه السلطة مع سلطة مضادة”.
الكرة الآن في ملعب “فريق الرابعة” وتحديدا بيد الرئيس، الذي يستطيع أن يلزم فريقه بمراجعة سريعة لبرنامج العهدة الرابعة، وإعادة توجيهه نحو طمأنة الجزائريين، بالتعهد الصريح بفتح حوار وطني واسع غداة الاستحقاق، يضمن مشاركة الجميع في تصور وبناء مشروع وطني سياسي واقتصادي، يبدأ بمراجعة الدستور وإعادة التوازنات إلى مؤسسات الحكم، ويمنح فرصة حقيقية للتداول على السلطة، ثم الاندفاع بجدية نحو تشبيب النخبة السياسية، والانفتاح على كوادر البلد لصياغة “رؤية مشتركة حول مستقبل البلاد، يتقاسمها مختلف الفاعلين في الساحة الوطنية”.
ها هنا صوت آخر عاقل من داخل النظام، يستعرض بديلا آمنا ومتوازنا، يبعدنا عن المسارات المغامرة التي تجذب البلد حتما إلى أحد الشرين: الإصرار الأحمق على إعادة تأهيل اصطناعي لأعضاء نظام مشلول غير قابل للحياة، أو الدفع بالبلد نحو المجهول بأدوات الفوضى، وبالاحتكام إلى الشارع المنفلت، الذي رأينا ما فعله في دول الربيع العربي وفي أوكرانيا.