وكان “القصير”.. طويلا
بعد عامين طويلين من سيطرة جيش النصرة على مدينة القصير الاستراتيجية تمكن الجيش السوري من استرداد المدينة بعد أن لحق بها دمار رهيب، وتعرض أهلها لأكبر عملية نزوح.. دخل الجيش السوري المدينة بعد أن مشط الأنفاق والمواقع وفكك الألغام والعبوات وفتح طريقا للفارين من جيش النصرة. وقد أنهى الجيش السوري بذلك آخر المعاقل الحصينة الاستراتيجية للمجموعات المسلحة.
في قراءة سريعة للموقف الدولي والإقليمي نجد من الواضح أن الأمريكان صرفوا النظر عن تدخل عسكري مباشر- وهذا ما أشرنا إليه منذ أكثر من شهرين- وأن الرسالة قد وصلتهم، أن الحرب في سوريا قد تمتد إلى ساحات أخرى، وقد تورط الأمريكان في حرب أشد من تلك التي خاضوها في العراق وأفغانستان، لا سيما وسوريا تتمتع بعلاقات تحالفية قوية وبجيش متماسك وبأجهزة أمنية متماسكة وبمؤسسات دولة لم تتصدع.. أدرك الأمريكان ذلك فانصرفوا لتثبيت حضورهم في صياغات حل يحقق لهم الحد الأدنى من اشتراطاتهم.. في حين أصبحت سوريا الساحة الرئيسة لاستعادة روسيا حضورها الدولي كلاعب رئيس قادر على فرض اشتراطاته على خريطة السياسة والأمن الاستراتيجي.. هذا في الحين الذي أخذت الموجات الارتدادية في إثارة زوابع قد لا تعرف التوقف في تركيا، والأمر نفسه سيطال بالتأكيد كل من تحمس وتفاعل وجيش حالة التمرد المسلح. وبذلك لن تكون السعودية وقطر في منأى عن أعمال عنف تهدد استقرارهما كما هو حاصل الآن في تركيا.. وهذا كله يدفع بالقول إن اشتراطات الدولة السورية الآن أصبحت أكثر تطورا من ذي قبل وإن الدول العربية المترددة ستجد نفسها الآن في ورطة، وستضطر إلى إبداء حسن النوايا باستئناف علاقاتها الرسمية مع الدولة السورية.. كما أن إيران تكون قد حققت حماية لوجستية ضرورية للمقاومة اللبنانية والتي هدد عبد الحليم خدام بأن جيش سوريا الجديد سيقتلعها من لبنان.
لقد كان القصير طويلا في معاناته وملحمته الرهيبة التي أودت بمئات القتلى وبألوف الجرحى وبعشرات الألوف من نازحين.. لقد كان طويلا قاسيا ورهيبا.. ومن الصعب بمكان القول إن أحدا كان يتوقع هذه الانهيارات المتتالية في جيش النصرة والجيش الحر وباقي الجيوش المتوزعة على التراب السوري بعد أن بلغ تعداد المقاتلين الأجانب على أرض سوريا أكثر من مائة ألف مقاتل مدرب على حرب العصابات..
في ظل الفوضى التي تحكم سلوك الائتلاف الوطني السوري وحجم التداخلات لأصحاب الأجندات الإقليمية والدولية في سير أعماله وفي ظل التراجعات الميدانية الدراماتيكية، تكون الدولة السورية قد استعادت زمام المبادرة وألغت احتمالات البدائل وفرضت شروط وجودها في المنطقة.. وهكذا تكون الجولة الخطيرة قد انتهت وعلى الدولة السورية الانتقال إلى مرحلة أخرى تتسم بمزيد من المسؤولية تجاه الشعب والإقليم.