ولد عباس في مهمة تفكيك قنابل “ديناصورات” الأفلان؟
مدّ الأمين العام الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، يده إلى المعارضة، وعرض عليها تجاوز خلافات الماضي، والتوجه نحو المستقبل.. دعوة تلقتها المعارضة بحذر شديد، لا سيما أن الرجل تمسك بالمؤسسات التي أفرزها المؤتمر العاشر للحزب، وكذا الفريق الذي سبق للأمين العام السابق، عمار سعداني، العمل معه. والإشارة هنا إلى المكتب السياسي. هذا الخطاب، وإن كان يجسد مشروع “لم الشمل”، الذي وضعه الوافد الجديد إلى الأمانة العامة للحزب هدفا له، إلا أنه يخفي تناقضا قد يحمل بذور فشل خارطة الطريق، بسبب تراكم العداوات بين بعض الوجوه في هذا المعسكر أو ذاك. فهل يمكن لولد عباس تجاوز تراكمات الماضي؟ وما حدود تنازل الطرفين للوصول إلى توافق قبل موعد التشريعيات؟ وهل يمكن اعتبار هذا الاستحقاق عامل جمع أم محطة تفرقة؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عنها.
تائه بين إرضاء المعارضة وحماية معسكره
ولد عباس في مهمة تفكيك ما تركه سعداني من ألغام
يختلف الأمين العام الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، عن سلفه، عمار سعداني، في الكثير من المواصفات، وقد يصل هذا التمايز درجة التناقض، وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستكون مغايرة تماما لسابقتها في الخطاب وفي الممارسة السياسية.
فولد عباس شخصية تنزع نحو المهادنة وتتحاشى الصدام، وفضلا عن ذلك، فهو وبحكم موقعه السابق في الحزب، لم ينخرط في أي سجال كلامي مع أي رمز من رموز المعارضة، سواء مع الأمين العام السابق عبد العزيز بلخادم وأنصاره، أم مع عبد الكريم عبادة ورفاقه.. وهو ما يجعل من إمكانية تجسيد مشروعه للم الشمل قابلة للتحقيق إذا توفرت الإرادة المطلوبة من الأطراف المعنية.
غير أن هذا المشروع (المصالحة) يبقى محكوما ببعض الضوابط التي سبقت مجيء ولد عباس إلى قيادة الأمانة العامة لـ “الأفلان”، فالكثير من الوجوه التي كانت تعارض سعداني موجودة خارج الهيئات القيادية للحزب، ممثلة في اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وهو معطى سيصب في صالح القيادة الجديدة، كونها لم تتسبب في هذا الوضع.
ويكون خصوم الأمين العام السابق قد فهموا جيدا هذا المعطى، فقرروا التعامل مع القيادة الجديدة على أنها “أمر واقع”، كما قال المعارض العنيد، عبد الكريم عبادة.. موقف يعتبر بمثابة رد فعل أولي قابل للتطور إيجابا أو سلبا، تحكمه حدود التنازل المسموح به من قبل الطرفين.
فتوصيف “سلطة الأمر الواقع” يعني من بين ما يعنيه أن المعارضة مستعدة للجلوس إلى طاولة الحوار مع ولد عباس، وبيدها العديد من المطالب التي تراكمت في عهد القيادة السابقة للحزب وحتى التي كانت قبلها.. لكن هل بإمكان ولد عباس الحسم فيما يطرح عليه؟
يذهب المتابعون إلى القول إن اختيار ولد عباس لقيادة الحزب العتيد في هذا الظرف، أملته طبيعة المرحلة المقبلة.. فشخصية سعداني فرضتها التجاذبات التي عاشت البلاد على وقعها قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2014، في حين إن المرحلة المقبلة تطبعها معطيات أخرى مغايرة تماما، سمتها البارزة عودة الانسجام إلى مراكز صناعة القرار، بمعنى غياب مبررات الخطاب الصدامي.
هذا المعطى يؤشر على أن المرحلة المقبلة سيطبعها الهدوء، وأن أفضل شخصية لذلك سوف لن تكون بغير مواصفات ولد عباس، لأن الانتخابات التشريعية اقترب موعدها، وهذا يتطلب إبعاد القوة السياسية الأولى في البلاد عن مظاهر الاحتقان التي خيمت عليه، أمر يحتم على الرجل مرونة أكبر في حواره المرتقب مع معارضيه، وحتى مع منهم في هياكل الحزب.
في الجهة المقابلة، يبدو الطرف الآخر أكثر استعدادا للذهاب بعيدا في المصالحة المأمولة، لكن التسابق الذي اعتاده حزب مثل “الأفلان” في استحقاقات بحجم الانتخابات التشريعية، من شأنه أن يعيد مشروع التقارب هذا إلى نقطة البداية، تماما كما حصل في عهد الأمين العام الأسبق، عبد العزيز بلخادم، الذي انقلب عليه أقرب مقربيه بمجرد انكشاف قوائم المرشحين.
ومن هذا المنطلق؛ يمكن القول إن أي خطوة غير محسوبة من الطرفين، من شأنها أن تفجر الوضع مجددا.. ولذلك عمد ولد عباس إلى طمأنة الطرف المحسوب على سعداني أيضا، خوفا من أي انقلاب داخلي محتمل، وتجلّى ذلك من خلال تأكيد الأمين العام الجديد، في الوقت ذاته أنه سيستمر في العمل مع المكتب السياسي الذي اختاره سلفه، بالرغم من الانتقادات التي وجهت إلى بعض عناصره.. موقف قد لا يروق للمعارضة طبعا، لكن هذا الأمر يبقى جزءا من “سلطة الأمر الواقع”.
عضو المكتب السياسي رشيد عسّاس
سعداني استقال.. ومن يعتقدها إقالة إرضاء لخصومه فهو واهم

ذهب سعداني وجاء جمال ولد عباس، أية قراءة سياسية تقدمونها لهذا الحدث؟
تعاملنا مع الاستقالة بشكل عادي، لأنها تمت بالطرق القانونية، المتعارف عليها وحسب ما ينص عليه القانون الأساسي والنظام الداخلي للحزب. ومن تولى الحزب مناضل يعرفه الجميع، وأحد الرجالات الذين مارسوا المسؤوليات في مختلف أجهزة الدولة على غرار البرلمان والحزب والهلال الأحمر الجزائري، وغيرها من المناصب، بالإضافة إلى أنه شخصية معروفة وتتمتع بالدبلوماسية اللازمة والحنكة، كما أن عملية الانتقال من مرحلة عمار سعداني إلى ولد عباس تمت بسلاسة وبدون أن يحصل فراغ في أعلى هرم الحزب، وسعداني ذهب بإرادته وفعل كما فعل عبد الحميد مهري سنة 1996 عندما طالب بانتخاب أمين عام جديد وأيضا بن حمودة، ويجب التنويه إلى أن سعداني لم يخلق أزمة ولا يمكن إنكار ما قدمه للحزب طيلة الفترة التي تولاها على رأس الآفلان.
خطاب جديد نسمعه من الوافد الجديد على رأس الحزب، لقد مدّ يده للمعارضة.. هل سيلقى ذلك التجاوب المطلوب في نظركم؟
يجب التنويه إلى أن سعداني كان السبّاق لذلك عندما تولى أمانة الحزب، ودعا للم الشمل، لكن بمجرد أن أعلن عن تشكيلة المكتب السياسي، ووجد البعض نفسهم خارج القائمة، انتقلوا للمعارضة وحاولوا مساومته على مقاعد في اللجنة المركزية، ولذا نقول إن القضية تتعلق بالتموقع، وأعتقد أن ولد عباس يقصد بلم الشمل بمفهومه الفضفاض والذي يعني أن الجميع مدعو للعودة إلى الآفلان، وليس للتفاوض من أجل شيء ما، ولا ننسى هنا أن من يسمون أنفسهم بالغاضبين سيظلون مناضلين، والأمين العام منصبه سيظل شاغرا إلى غاية 2020.
إذا ما هي حدود التنازل المسموحة لولد عباس في علاقته مع الغاضبين؟
لا أحد يمكن أن يحرم الآخر من الترشح أو الانضمام لحزب جبهة التحرير الوطني، لكن الاستجابة ولم الشمل تعني الهدوء والانضباط، كما تعني الدخول إلى غمار الانتخابات بصفة موحدة، وشخصيا لا أعتقد أن الأمين العام سيفتح مجالا للتفاوض، لأن لم الشمل هو المساهمة في الحزب بأفكار كل القياديين والمناضلين، وهنا يجب التنويه إلى أن كل القائلين بأن استقالة عمار سعداني، جاءت كاستجابة من رئيس الجمهورية لهؤلاء، فإنهم واهمون، لأن سعداني مارس حقه في الاستقالة.
دعنا نفتح قوسا، بحكم أنك عضو في لجنة الانضباط للحزب، كيف ستتعاملون مع المناضلين وبعض القياديين الذين أحيلوا على لجنة الانضباط؟
جمال ولد عباس يمتلك كل الصلاحيات بما في ذلك العفو ورفع العقوبات عن الذين تم تمرير ملفاتهم على لجنة الانضباط للحزب، وحقيقة لا يوجد عدد كبير، بل كان هناك 8 قياديين وأصبح البعض منهم مواطنين عاديين ولا يمتلكون حتى بطاقة انخراط.
هناك من يشكك في نحاج جمال ولد عباس صاحب 82 سنة في تجاوز المشاكل التي خلفها سعداني؟
جزء كبير من القيادة الحالية تعرف المشاكل التي يتخبط فيها الحزب، وولد عباس أكثرهم، لأنه كان عضو المكتب السياسي، ويعرف خبايا الحزب والمعارضين له من الداخل، لكن يجب التأكيد على أن هناك رضا أيضا في الحزب.
تنتظر الحزب العتيد تحديات كبيرة في مقدمتها الانتخابات التشريعية، فهل بإمكان الأمين العام الجديد الحفاظ على ريادة الحزب سياسيا ومواجهة منافس عنيد مثل زعيم الأرندي؟
لا يوجد منافس قوي، وكل الطبقة السياسية منافسة لحزب جبهة التحرير الوطني، كما لا يوجد خصم سياسي، لأن هناك ترشيحات وقوائم، ونحن في الآفلان، لدينا انتشار، ولا ننسى أن “الأرندي” لم ينجح في 15 ولاية في تشريعيات 2012 ولم يحصل على أي مقعد حتى، ولذا فسيكون الميدان فيصلا بيننا.
الأمين العام الأسبق بالنيابة في الأفلان عبد الكريم عبادة
سنتعامل مع القيادة الحالية كـ”أمر واقع”

الكرة الآن في مرمى المعارضة بعد إعلان الأمين العام الجديد للحزب جمال ولد عباس لم شتات الحزب.. ما قولكم؟
نحن مع التعاطي الإيجابي مع الدعوة التي وجهها الأمين العام للحزب جمال ولد عباس، ومستعدون لوضع اليد في اليد من أجل لم الشمل والتوجه لتحضير الرهانات والمواعيد المقبلة.
نحن لدينا نية صادقة للعمل من أجل إعادة بناء الحزب وترتيب بيته بهدف الإقلاع عن الممارسات غير القانونية السابقة التي أضرت بالحزب، والقضاء على مظاهر التسيب والفساد، ولذلك نحن على استعداد للتعاون مع القيادة الجديدة من أجل خدمة أهداف حزبنا والرفع من قدراته النضالية.
الكثير من الوجوه المعارضة والقيادات التاريخية تتواجد خارج اللجنة المركزية، هل انتم مستعدون للانتظار إلى غاية 2020؟
نحن لا ننتظر بهدف الدخول في اللجنة المركزية أو من أجل البحث عن التموقع أو من أجل المناصب، لأن هذا ليس هدفنا، هدفنا أكبر وهو هدف نبيل، لأننا نبحث عن إطار للمشاركة في العمل الحزبي والمساهمة الفعلية في العمل والبناء والتأطير.
وبالنسبة لنا الدخول في اللجنة المركزية ليس هدفا أساسيا، لأننا مناضلون ولدينا قناعات، ومصلحة الحزب هي التي تحظى بالأولوية، بهدف التخلص من هذا الأخطبوط الذي استولى على الحزب وأفقده سمعته وبريقه.
التشريعيات على الأبواب. هل ترون أن هذا الموعد عامل يساعد على رص الصفوف، أم يؤدي إلى المزيد من المتاعب؟
إذا أحسن توظيف المرحلة، يمكن القول إن هذه (النقلة) ستكون مناسبة للحزب لتوحيده والتوجه بصفوف موحدة نحو الاستحقاقات المقبلة، لكن إذا كانت فيه نية لإبقاء الممارسات القديمة من تهميش وإقصاء وجلب مناضلين من خارج الحزب فهذا سيؤدي إلى شرخ وصراع ومتاعب إضافية.
ولذلك أقول إن هذه فرصة ثمينة للحزب ولإطاراته، إذا أحسن توظيفها للانتقال بالحزب من الوضعية الحالية والتوجه متحدين نحو الرهانات المقبلة.
هل ستسلمون بشرعية القيادة الحالية، أم أنكم ستطالبون بمؤتمر استثنائي؟
مبدئيا؛ نحن كنا طاعنين في شرعية الأمين العام السابق بموجب قاعدة “كل ما بني على باطل فهو باطل”، والمؤتمر أيضا مطعون في شرعيته، لكن نحن نتعامل مع أمر واقع ولسنا من المتعصبين، والقيادة الحالية هي قيادة فعلية وسنتعامل معها بإيجابية لصالح الحزب وليس لصالح الأشخاص بغية تصحيح الوضع.
إذن هذه قيادة فعلية وليس لدينا خيار من أجل تصحيح الأوضاع وتحسين أداء الحزب، والتخلص من الوصوليين والمتسللين والمتسلقين.
ما هي القراءة السياسية التي يمكنكم تقديمها لذهاب سعداني ومجيء ولد عباس خليفة له؟
القراءة السياسية تقول إن عمار سعداني استهلك ولم يعد له ما يقدمه سياسيا. لقد تم توظيفه في وقت سابق والآن أعتقد أن مأموريته انتهت، أي انه لم يعد صالحا للمرحلة المقبلة.
لقد استعدى الأمين العام السابق كما لاحظ الجميع، الساحة السياسة الوطنية وخلق مشاكل كثيرة، بل وزرع الفتن، كما أن خطابه أثار سخط الجميع وأفقد حزب جبهة التحرير الوطني سمعته وقيمته.
وباعتقادي فلو بقي هذا الأمين العام في منصبه فإن الحزب سيكون في كارثة حقيقية سواء من خلال القوائم في الاستحقاقات المقبلة من اتساع لنفوذ أصحاب المال الفاسد والذين يأتون من خارج الحزب، أو من حيث النتائج التي سيحصل عليها الحزب.
ولذلك فالمصلحة الحزبية والمصلحة الوطنية وحتى مصلحة رئيس الحزب، ممثلا في رئيس الجمهورية، تقتضي ذهابه، لأنه لا فائدة من بقاء هذا الشخص، الذي لا يشرف رئيس الحزب، لقد جلب خطابه الكثير من المشاكل. ولذلك فقد تدخل الرئيس وقرر إبعاده واستبداله بشخص آخر تحسبا لما هو آت من مواعيد خدمة للصالح العام والاستحقاقات المقبلة.