الرأي

ولو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه!

حمزة يدوغي
  • 3726
  • 6

إن من الظواهر “المرضية” التي أصبحت جزءا من واقعنا الثقافي والاجتماعي أن كثيرا من الدعاة إلى التجديد والمتحمسين له يشوّهون معنى التجديد الذي يشيعونه في كل مجال، سواء في الفكر أو الأدب والفن أو في أساليب العيش؛ كل ذلك باسم الإبداع والابتكار ومواكبة التطور والعصرنة؛ غير أن الاختبار الدقيق لما يسمونه “تجديدا” يكشف أن مفهوم الجديد عندهم هو كل مثير متحرر من قيود الدين متجرئ على الأعراف والأخلاق؛ يثور على القديم لا لشيء إلا لأنه قديم دون استناد في ذلك إلى مقياس أو معيار؛ فهو نوع من “الموضة” المطلوبة لذاتها من باب التنويع لا غير، وشعار هؤلاء المستلبين المستأصلين قول أحدهم:

كرهت كل قديم       حتى خفوق فؤادي

ومن البين الواضح أن هذا ليس نزوعا إلى التجديد أو الابتكار والإبداع لأن الجِدّة والصلاحية والحيوية لا تقاس بقرب الزمن أو بعده؛ فرب قديم تراه ينبض في جوهره بالحياة، صالحا نافعا وأكثر حيوية من جديد في شكله ميت في محتواه، مثلما عبر عن ذلك أحد الشعراء الواعين بهذه الحقيقة فقال:

يارُبّ حيّ رخام القبر مسكنه   وربّ ميت على أقدامه انتصبا.

إن لفظةالتجديدالتي أصبحت اليوم مقرونة بكل شيء ومطلوبة في كل مجال هي من أكثر الألفاظ عرضة للغموض والالتباس وسوء الفهم والتوظيف؛ والخطر يكمن في أن النفس قد جُبلت أصلا على حب الجديد والولع به، فهي تهفو إليه وترحب به من دون تردد أو تفكير مهما يكن المجال الذي ينصبّ عليه ممّا يجعل هذه اللفظة في حاجة دائمة إلى بيان مفهومها وتحديد ضوابطها ودلالتها.

إن لفظ التجديد إذا كان في بعده الاصطلاحي لم تعرفه المجتمعات الإسلامية إلا في مطلع القرن العشرين، وأصبح من أكثر المصطلحات شيوعا وإثارة ومسايرة لروح العصر؛ فإنه في دلالته اللغوية والشرعية قد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قال تعالى: “وقالوا إذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون خلقا جديدا” (الإسراء 49)؛ فالدلالة اللغوية للفظة التجديد في القرآن الكريم هي إعادة ما بَلِيَ واندثربفعل عوادي الزمنإلى ما كان عليه أولا؛ وإذا كان هذا اللفظ لم يرد في القرآن الكريم إلا في صيغة واحدة هيالجديدفإنه في السيرة النبوية الشريفة قد ورد في صيغ عديدة، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلمجددوا إيمانكموكما ورد في حديثه المشهور في هذا المعنى وهو قولهإن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها“.

ولا يخفى أن معنى التجديد في هذا الحديث النبوي الشريف ليس تجديدا للدين في ذاته، فالدين كامل خالد تكفّل الله بحفظه، لا يتجدد ولا يتعدد، وإنما معناه إحياء لهذا الدين في النفوس بإصلاح علاقة الإنسان به، لأن هذه العلاقة عرضة دائما للاهتزاز والاضطراب مما يجعلها في حاجة مستمرة إلى التجديد.

فالتجديد كحركة طبيعية وكحاجة إنسانية حيوية هو مبدأ تدركه جميع الأمم والمجتمعات على اختلاف نظمها وفلسفاتها وتباين عقائدها ونظرتها إلى الحياة؛ وإذن فمن الطبيعي أن ننظر إلى هذا المبدأ  من خلال مرجعيتنا الدينية والثقافية والحضارية باعتبارنا مجتمعا مسلما وأن ندرك بوعي أن الذي يهدد كياننا بالتصدع هو أن نخلط بين هذا المفهوم السليم لمعنى التجديد، كحركة يخطط لها  الفكر الحر الأصيل الذي ينطلق من ذاته ومقومات شخصيته، قاعدته الأساسية في ذلك هي الفصل الواعي بين الثوابت والمتغيرات وبينالتجديد الشكليالذي هو مجرد تقليد للغير في مناهج تفكيره وأساليب عيشه من باب ولع المغلوب باتباع الغالب، بتعبير ابن خلدون.

إن هذا النوع من التقليد المزري، باسم التجديد، الذي نلحظه بكل أسف وحسرة في بعض أوساط مجتمعنا، بتزكية وتشجيع وتنظيرمن أولئك الذين يحسبون على النخبة المثقفة عندنا، يجعلنا نستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلملتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، ولو ودخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟! قال: ومن إذن؟!”

ولا يفي أن المنهي عنه في هذا الحديث النبوي الشريف هو التقليد الذي يقصد بهالتشبّهوليس الاقتباس، وشتان بينهما. الاقتباس يكون فيما هو مشترك حضاري إنساني عام، في شتى العلوم والمعارف التي لا تصطبغ بعقيدة أو لغة أو جنس أو وطن؛ فهي ملك مشاع بين الحضارات الإنسانية القائمة أصلا على الأخذ والعطاء،والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّى وجدهاكما جاء في الحديث النبوي الشريف؛ فالإسلامكما نعلم جميعايرسم الأهداف ويحدد الغايات، وأما ما تتحقق به تلك الأهداف وتدرك به تلك الغايات، فيتركها لعقل الإنسان يبتكرها إن استطاع الابتكار أو يقتبسها إن أمكنه الاقتباس؛ لأنها مجرد وسائل وكيفيات ومناهج وأساليب.

وأما التشبه فإنه يكون فيما يرتبط بخصوصيات شخصية الغير ومميزاتها الذاتية، كالعقيدة واللغة والأعراف والعادات وطرائق العيش في المأكل والملبس والآداب الاجتماعية والذوق العام وما إلى ذلك..

مقالات ذات صلة