ومن يحكم غالبية الجزائريين؟
قال وزير الداخلية السيد ولد قابلية، أن الذين يرفضون الاقتراع ليس من حقهم انتقاد السلطات المحلية، أو حتى مطالبتها بحقوق قد تسقط بمجرد أن يُفرّط المواطن في ما تصرّ السلطة على تسميته بالواجب الانتخابي، وقال أمين عام جبهة التحرير الوطني، السيد عبد العزيز بلخادم، أن الشعب خيّب أعداءه بمنح حزبه قرابة الألف بلدية.
ولكن إذا نظرنا إلى رقم العازفين عن الاقتراع ورقم الأوراق الانتخابية الملغاة، نفهم أن غالبية الشعب حتى لا نقول كله، معنية بالخروج من دائرة حق انتقاد السلطات المحلية، وأن الذين افتخر بهم بلخادم مجرد قطرة في بحر الذين رفضوا أداء حزبه بعدم التوجه إلى مراكز الاقتراع، أو الذين كتبوا على أوراق الانتخابات أسماء عثمان عريوات، أو الممثلين الأتراك أو لاعبي الكرة، فإذا علمنا أن نسبة الاقتراع في بلديتي العاصمة وقسنطينة مثلا، لم تزد عن العشرين بالمئة، وإذا علمنا أن نسبة الأوراق الملغاة في هاتين البلديتين قد تجاوزت الخمسين بالمئة، وهذا حسب مصادر سلطوية، فإننا حسابيا نصل إلى أقل من عشرة بالمئة من المنتخبين، مما يعني أننا على شفا حفرة من المقاطعة الكاملة في حواضر الجزائر، ولولا العشائرية ورابطة الدم و”تغانانت والتسنطيح” لعشنا فضيحة انتخابية لم يسبق للجزائر أن عاشتها.
وتبدو مقارنة الرقم الأربعيني بأرقام الانتخابات في الدول الغربية غير منطقي أيضا، لأن تلك البلدان اطمأن شعبها على الحريات والتطبيق الصارم للقوانين، وعدم المشاركة في الانتخابات لا تُفقد المواطن أيّا من حقوقه، بينما مازلنا نحن في مرحلة ما قبل البناء الذي يتطلب اهتمام الجميع من دون استثناء بالحدث الانتخابي، ومجرد أن يلتهب الشارع باعتراف أمين عام الحزب الفائز في ظرف سنة، بعشرة آلاف احتجاج ضد مسؤوليه المحليين، ثم يعرض عن المشاركة في اختيار من يحلّ مشاكله التي لا نهاية لها، دليل على أن الأسماء التي فُرضت في القوائم ودُفعت للفوز بالمقاعد البلدية والولائية، ستزيد من الهوّة وتزيد من حالة القنوط ورفض الاستشارات التي تقدمها الدولة للشعب لاختيار ممثليهم من مختلف التشكيلات السياسية التي تمارس كل شيء إلا السياسة.
الأخطاء التي ترتكبها السلطة.. أنها تلتفت ظاهريا أحيانا نحو العمال، ولا تلتفت نحو الإطارات العاطلة عن العمل، كما تلتفت ظاهريا للفائزين بشهادة البكالوريا ولا تلتفت نحو الفاشلين، والطامة الكبرى أنها الآن تفتخر برقم الأربعة والأربعين من الذين قالت أنهم استجابوا لنداء الواجب، ولا تلتفت نحو الستة والخمسين من المقاطعين، والسيد عبد العزيز بلخادم، الذي بدا في مرحلة الثمالة فرحا بما وصفه بالنصر العظيم، يدرك أن من بين التسعين بالمئة الذين لم يمنحوه أصواتهم في حواضر الجزائر، من يمتلكون شهادات كبرى ومن المواهب والعباقرة الذين بإمكانهم أن يُخرجوا البلد من أزمته المعنوية قبل المادية لو فتح لهم هو وغيره الأبواب، أو على الأقل تركهم يمارسون الحياة بدلا من أن يصرّ على أن يحكمهم وهو يعلم أنهم في واد آخر هائمون؟