ويترجَّل الفارس..
.. ويترجَّل الفارس عن صهوة جواده، وقد انتصر في آخر معركة جهاد يقودها في سبيل الجزائر الحرة المستقلة الديمقراطية الشعبية. يترجل بعد 12 يوما من 12/12.. يوم وضع قطار الجزائر على السكة بعد أكثر من 9 أشهر من التجاذبات وحَراك لم تُرَق فيه قطرةُ دمٍ واحدة، وعدا ووعيدا..
ثورةٌ سلمية ناعمة قل نظيرها في العالم العربي والغربي: ثورة قلبت النظام رأسا على عقب من الداخل وبالدستور والقانون والشرعية.. لا تهديما ولا تخريبا ولا تكسيرا للمؤسسات من أجل بناء أخرى على أنقاضها كما كان يروق لعصبة “الانتقالية” و”التأسيسي”.. تغييرٌ للنظام بسلاسة من الداخل، من أجل تفكيكه تدريجيا وإعادة بناء نظام على النقيض وليس على الأنقاض.. دون إرباكٍ عام للدولة وأجهزتها ومؤسساتها.. تسيير للأزمة قل نظيره. كل هذا كان بفضل هذا الفارس الذي اختار، دون أن يختار، وكأنه هو من برمج موته بنفسه، أن يرحل بعد انتخاب رئيسٍ للجمهورية مارس صلاحياته دون غيره، بتعيين خلفٍ للراحل، ما كان لرئيس دولة أن يقدم عليها لعوائق دستورية، وكأنه برمج حتى تلافي الشغور بعده. إنه القدرٌ وإنه قضاء الله، وإنه ترتيب ربنا.. كل شيء في أوانه وكل شيء عنده بحساب.
رحل القائد، منهَكا ومتعَبا من جراء عمل مضن طيلة 10 أشهر، لم يكلّ ولم يملّ.. تنقلاتٌ في عز الحر إلى كل مناطق البلاد جنوبا وشمالا وغربا وشرقا: خطيبا ومتفقدا ومفتشا، مرافقا لحَراكٍ شعبي وحيرة وقلق شعبي عارم، أمام وضع غير عادي بعد تحمل رئيس الدولة أعباءً لم يكن مهيّأ لها لا صحيا ولا نفسيا. رئيس دولة أملت عليه الأزمة دستوريا، واجب القبول، مرغما أخوك لا بطل. كان الراحل هو من دعم رئيس الدولة في تحمُّل عبء المسؤولية عبر قبول المهمة الوطنية ضمانا لاستقرار الجزائر وأمن الجزائر وحفاظا عليها من عبث العابثين والمغامرين وكيد الكائدين في الداخل والخارج.
رحل عمي القايد، كما يحلو لبعض الشباب تلقيبه، بعد 12 يوما من تنصيب أول رئيس جمهورية يُنتخب شعبيا عبر الصندوق وليس عبر آلية التعيين والتزكية في مخابر صناعة الرؤساء.. وهذا ما كان يصرُّ عليه: لا دور للجيش بعد اليوم في صناعة الرؤساء ولا طموح لديه سوى رؤية الجزائر تنعم بالاستقرار والأمن والازدهار.
رحل قبل أن يهمس في أذن رئيس الجمهورية المنتخَب همسة التقطتها الميكروفونات، وهو يُقلّد وسام الصدر من الاستحقاق الأكبر من طرف رئيس الجمهورية المنتخَب: “الجزائر أمانة في عنقك”. هذا ما أسرَّه القايد إلى الرئيس المنتخَب يوم التنصيب، قبل أن يتوارى عن الأنظار، ليبث خبر رحيله المفاجئ الصادم: “انتقال القايد صالح إلى جواره ربه صبيحة الاثنين عن عمر يناهز 80 سنة في بيته بعين النعجة إثر سكتةٍ قلبية”. كدنا لا نصدِّق ونحن نتابع أولى الأخبار العاجلة على استحياء في بعض القنوات قبل أن يعمَّم الخبر، إثر بيان رئاسة الجمهورية.
رحل المجاهد قايد صالح إلى جوار ربِّه وقد أدى الأمانة كاملة وأوصل الجزائر إلى آخر محطةٍ له قبل أن يغادرنا وكفه على قلبه.. مطمئنا على جزائر ما بعد قايد صالح..
إنا لله وإنا إليه راجعون. رحمك الله أيها القائد المجاهد.