ويسألونك عن الحقوق والحريات في الجزائر
مما لا ريب فيه أن مفهوم دولة الحق والقانون يعدّ من المفاهيم الأكثر استقطابا والأوسع انتشارا والأسرع تداولا في سائر مناطق العالم عامة وفي منطقتنا العربية والمغاربية خاصة، ولعل خير دليل على ذلك هو التحوّل الجذري والتغير العميق والإيجابي الذي تشهده منطقتنا هذه في كافة الميادين وعلى مختلف الأصعدة أي سواء منها السياسية والاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، الإطارية والهيكلية أو المؤسساتية، الحكومية وغير الحكومية.
مما لا ريب فيه أن مفهوم دولة الحق والقانون يعدّ من المفاهيم الأكثر استقطابا والأوسع انتشارا والأسرع تداولا في سائر مناطق العالم عامة وفي منطقتنا العربية والمغاربية خاصة، ولعل خير دليل على ذلك هو التحوّل الجذري والتغير العميق والإيجابي الذي تشهده منطقتنا هذه في كافة الميادين وعلى مختلف الأصعدة أي سواء منها السياسية والاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، الإطارية والهيكلية أو المؤسساتية، الحكومية وغير الحكومية.
حق إبداء الرأي وحرية التعبير لا يزالان بعيدي المنال؛ فهناك بعض المواطنين والإداريين والصحفيين يقبعون في الحبس المؤقت منذ أعوام رغم جعل هذا الحبس إجراءً استثنائيا لا يُلجأ إليه إلا في أضيق الحالات وعند الضرورة القصوى (المادة 59 من الدستور).
في هذا الإطار -ونظريا أو شكليا ومظهريا- يمكن القول إن الجزائر خطت خطواتٍ عملاقة، دوليا ووطنيا، في ميدان حقوق وحريات الإنسان الفردية والجماعية، فعلى الصعيد الدولي: 1-انضمت إلى كافة الآليات المؤسساتية “الهيئات” العالمية، القارية والجهوية الحكومية وغير الرسمية فهي عضو دائم وكامل الحقوق في هذه المؤسسات ومنها مجلس حقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابعين لمنظمة الأمم المتحدة، المنظمات العالمية للصحة، للتنمية الاقتصادية “الصناعية والزراعية”، للملكية الفكرية، للتربية والثقافة والعلوم… وغيرها من المنظمات الإنسانية والاجتماعية والثقافية، الاتحادين الدولي والعربي لحماية المستهلك. 2-صادقت على جميع الميكانيزمات القانونية “المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات والصكوك والبروتوكولات والتوصيات والقرارات الدولية” المتعلقة بهذا الشأن أيضا، بدءا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 مرورا بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الاقتصادية والاجتماعية سنة 1966، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب سنة 1981، واتفاقية حقوق الطفل عام 1989، والميثاق العربي لحقوق الإنسان…
وعلى الصعيد الوطني: 1-استحدثت هيئات وطنية مكلفة خصيصا بالحقوق والحريات منها:
أ-وزارة حقوق الإنسان التي استُخلِفت بالمرصد الوطني لحقوق الإنسان الذي استُخلِف من جهته باللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان التي استخلفت من جهتها كذلك بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي دستر ورقي إلى جهاز دستوري مستقل ومؤهل للقيام بعديد المهام كالمراقبة والإنذار المبكر والتقييم في ميدان حقوق الإنسان جراء التعديل الدستوري الذي وقع هذا العام “2016” (المادتان 198 و199). ب-لجنة برلمانية على مستوى كل من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وكذا مديريات عامة على مستوى وزارات العدل، الخارجية والداخلية إلى جانب هياكل مماثلة أنشأتها العديد من أحزابنا.
2-شجعت الحركة الجمعوية حيث اعتمدت مجموعة هائلة من الاتحادات والروابط والمنظمات والجمعيات والشبكات الحقوقية الرجالية، النسوية، الشبابية والطفولية منها: اتحاد القضاة، اتحاد الحقوقيين، اتحاد المحامين، اتحاد الصحافيين، الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، جمعية البرلمانين، المنظمة الوطنية لجمعيات رعاية الشباب، شبكة ندى لحماية الطفل…
3- قامت في ظرف وجيز بتعديل الدستور (سنتي 2008 و 2016) أولا من أجل حثّ الدولة على ترقية الحقوق السياسية للمرأة وذلك بتوسيع ومضاعفة حظوظ تمثيلها في النيابة ضمن المجالس المنتخبة، المحلية والوطنية، وعملها على ترقية التناصف بين النساء والرجال في سوق العمل وتشجيعها لترقية المرأة في مناصب المسؤولية على مستوى كافة الإدارات والهيئات والمؤسسات (المادتان 35 و36)، وثانيا من أجل توسيع مجال الحقوق والحريات المحمية دستوريا لتشمل حقوقا وحريات أخرى جديدة سياسية واقتصادية، اجتماعية وثقافية (حقوق وحريات الجيلين الثاني والثالث) منها: الحق في الاستثمار والتجارة بحرية (المادة 43)، الحق في الرعاية الصحية (المادة 66)، الحق في الثقافة (المادة 45)، الحق في بيئة سليمة (المادة 68)… وثالثا من أجل تعزيز دور السلطة القضائية كحامية للمجتمع والحريات وكضامنة المحافظة على هذه الحقوق للجميع ولكل واحد (المادة 157).
4- سنَّت عديد القوانين الجديدة كالقانون العضوي الخاص بتوسيع حظوظ تمثيل المرأة في المجالس المنتخَبة، والقانون المتعلق بحماية الطفل، ومشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان وتنظيمه وعمله، وراجعت الكثيرَ من القوانين ذات الصلة كقوانين الأسرة، الجنسية، العقوبات والإجراءات الجزائية لتدعيم الحقوق المدنية والسياسية للمرأة ومساهمتها في التنمية الوطنية وحمايتها من جميع أشكال العنف، كما عمّقت الإصلاحات الخاصة بالعدالة والصحافة لاسيما من خلال تعديل قانوني الإجراءات الجزائية والإعلام لتعزيز مبادئ الشرعية والمساواة أمام القانون والقضاء والإدارة والجباية وإبراز الطابع الاستثنائي للحبس المؤقت وتجريم التعذيب والمعاقبة عليه، وتدعيم ضمانات الدفاع، وحماية المشتبه بهم بتكريس قرينة براءتهم ومثولهم الفوري أمام القضاء المختص ومحاكمتهم بصفة عادلة إلى غاية إدانتهم أو تبرئتهم بحكم مؤسس قانونا، وضمان حقوق المساجين، ومعاملة المحبوسين بما يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم، وإعادة الاعتبار للمساجين المحكوم عليهم والذين تتم تبرئة ساحتهم مع التعويض لهم ماليا، وتكريس حق الرقابة لممثلي النيابة العامة على أعمال الضبطية القضائية وتقييمها من خلال زيارة أماكن حجز المحبوسين تحت النظر في مقرات الشرطة القضائية وأيضا من خلال تقييم وتنقيط أعضاء هذه الشرطة إداريا، وتأكيد الحق في حرية التنقل مع إخضاع أي تقييد لهما لسلطة القضاء…
5- جعلت الحقوق والحريات من المواد الأساسية المقرر تدريسها في البرامج التعليمية والبيداغوجية على مستوى الجامعات والكليات والمراكز المدنية والمدارس العسكرية والأمنية والشرطية كل ذلك عملا بمقتضى الآليات القانونية الدولية المذكورة أعلاه وتطبيقا للتعديلات الدستورية الجديدة ومواءمة المنظومة القانونية والقضائية الوطنية مع معايير ومقاييس المنظومة المؤسساتية والقانونية الدولية المتعلقة بهذا المجال.
وهذه المسائل كلها، على الرغم من أهميتها الكبيرة، تبقى مجرد مسائل ذات بُعد نظري أو شكلي ومظهري… طالما أنها لا تتطابق مع الواقع، بل وتكاد تكون شيئا آخر مغاير تماما لها، ولا أدل على ذلك من أن الكثير من الحقوق والحريات المذكورة أعلاه تُنتهك صباح مساء؛ فالحق في الحياة الذي يعدّ أبرز وأهم الحقوق على الإطلاق يُنتهك باستمرار، تأمل فقط ما يحدث لأطفالنا من اختطاف اغتصاب وقتل وتنكيل. وحق إنشاء الأحزاب والجمعيات مازال مقيدا ومثقلا ببيروقراطية إدارية رهيبة، وهناك العشرات من الأحزاب والجمعيات التي رُفض اعتمادها والعشرات التي تنتظر الاعتماد منذ سنين عددا. وحق إبداء الرأي وحرية التعبير لا يزالان بعيدي المنال؛ فهناك بعض المواطنين والإداريين والصحفيين يقبعون في الحبس المؤقت منذ أعوام رغم جعل هذا الحبس إجراءً استثنائيا لا يُلجأ إليه إلا في أضيق الحالات وعند الضرورة القصوى (المادة 59 من الدستور). ونفس الملاحظة يمكن إبداؤها بشأن الحقوق والحريات الأخرى، حيث مازالت هي كذلك بعيدة المنال وصعبة التحقيق رغم الجهود الجبارة التي بذلتها الدولة في سبيلها.
لذلك، وقصد حل الإشكاليات التي أثمرتها الممارسة الميدانية للحقوق والحريات عندنا بالشكل المشار إليه أعلاه، نقترح ما يلي:
– مواصلة عمليات مواءمة وتكييف النصوص التشريعية والأحكام التنظيمية مع المستجدات الحاصلة على الصعيدين الدولي والوطني، لاسيما من خلال تحيينها وتعديلها وتنقيحها، فضلا عن سد الثغرات القانونية الملاحظة هنا وهناك.
– المصادقة على مشروع قانون المجلس الوطني لحقوق الإنسان والإسراع في تنصيبه بعد تدعيمه بصلاحيات قانونية “استشارية ورقابية” أخرى مع إضافة واجبات الإنسان إلى عنوانه وصلاحياته ليصبح “المجلس الوطني لحقوق وواجبات الإنسان” إعمالا لآليات المواطنة والمراقبة المشار إليها ولأول مرة في الدستور، وتزويده بالإمكانيات والموارد المالية والبشرية اللازمة لتنظيمه وسيره وكذا تفعيل الأجهزة والمؤسسات الأخرى المكلفة بحقوق وحريات الإنسان، وخاصة المجلس الدستوري والسلطة القضائية حتى يبقى الدستور فوق الجميع ويظل القانونَ الأسمى الذي يضمن الحقوق والحريات ويكرس الفصل بين السلطات واستقلال العدالة ويجسد المساواة ويضفي المشروعية على عمل الأجهزة والمؤسسات ويرسِّخ التداول السلمي والديمقراطي على السلطة بواسطة انتخاباتٍ حرة ونزيهة. – أخلقة الحياة العمومية في كافة الإدارات والمؤسسات والهيئات وإحداث جائزة رئاسية سنوية لحقوق الإنسان تُمنح لكل من يتميز بمساهمته البارزة في النهوض بحقوق الإنسان ونشر ثقافتها على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.
– تدعيم الديمقراطية والتعدُّدية الحزبية من خلال فتح المجالات السياسية والإعلامية أكثر أمام الأحزاب والحركة الجمعوية وكذا اعتماد الجمعيات والأحزاب الجديدة التي تتوفر فيها الشروط الدستورية والقانونية.
– تأطير منظمات المجتمع المدني وجعلها تفيد أكثر في جميع قضايا المجتمع والاقتصاد والدولة ككل، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال استشارتها بوصفها قوة اقتراح ملائمة وشريكا مفضلا لتدعيم الديمقراطية ومبادئ دولة الحق والقانون التي نطمح إلى تجسيدها في واقعنا المعيشي.
وفي الأخير نتمنى أن تكون هناك أذانٌ صاغية تأخذ هذه الملاحظات والانتقادات بجدّ وتتدارك ما يمكن تداركه، هذا إن أردنا فعلا الإصلاح الحقيقي لمنظومتنا الحقوقية في إطار قول الله عز وجل “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب”.