يتحدث عنه الجميع ولا أحد يثبته!
منذ إلغاء الانتخابات في عام ألف وتسعمئة واثنين وتسعين، لم تواجه السلطة أية صعوبات في إنجاح مختلف المواعيد الانتخابية.. ورغم إجماع المعارضة والكثير من الشخصيات الوطنية على أن التزوير شاب مختلف تلك المواعيد، إلا أن هؤلاء فشلوا في إثبات تلك التهم، ولم يتمكنوا من تقديم الأدلة الكفيلة بإفشال هذا الاستحقاق أو ذاك أو إلغائه..
التزوير كممارسة سياسية عملية معقدة غير محدودة في الزمان ولا محصورة في المكان، لذا فمن الصعوبة بمكان إثباته وتقديم الأدلة المادية على وقوعه إذا كان المكلفون بتنظيمه هم المتهمون باقترافه أو لم تكن إرادتهم صادقة في منعه، فما بالك إذا كانت السلطات هي المتهمة بالتزوير وتسخير إمكانيات الدولة لتدبيره، وتجنيد الإدارة لتجسيده، وتكريس مؤسسات الجمهورية لإنجاحه وتزكيته…
فحتى وإذا حدث أن ثبت التزوير بالدليل فإنه لا يصل إلى درجة التشكيك في العملية برمتها أو الاستحقاق كله، بل يعتبر حالة معزولة يحاسب أصحابها أو يعاقبون. وأقصى ما يمكن الذهاب إليه هو إعادة الفرز أو إلغاء نتائج تلك اللجنة أو المكتب.. لذا فإن تهمة التزوير ومع كثرة الحديث عنها أصبحت شيئا مألوفا لدى الجميع فلا هو يضايق السلطة أو يحرجها، ولا يكلف المعارضة عناء تقديم الأدلة المادية التي تثبت ادعاءاتها، ولا يدفع بالجزائريين إلى المطالبة بإلغاء الانتخابات بعد أن زكتها المؤسسات وتبنتها السلطة.
ففي إطار عملية التسفيه الشامل للممارسة الديمقراطية، أصبح التزوير أو تهمة التزوير “لا حدث” ، يتحدث عنه الجميع، ويسمع به لكن لا أحد يراه أو يثبته، ولا أحد قدم أدلة تكفي لإدانة السلطة بالتزوير الواسع، فيفضح لها ممارسات أو يلغي لها انتخابات.. والحال هذه لا يمكن للجزائريين أن يحلموا بانتخابات يؤمن الجميع بشفافيتها ونزاهتها، أو تشهد على ذلك الأغلبية منهم على الأقل.. ولا يمكن للسلطة أن تحلم بأن يصدقها الشعب بأنها ستنظم انتخابات نزيهة وشفافة مهما اجتهدت، ولا أن يشهد لها بذلك وإن نظمتها حقا… فالأزمة عميقة وأصبحت أعمق بـ “فضل” سياسة الهروب إلى الأمام التي ما فتئت تنتهجها السلطة لفرض سياستها بقوة الأمر الواقع.. واستقالة جميع القوى الشعبية والسياسية، وانسحابها من العملية السياسية حتى أصبح التزوير من تحصيل حاصل، بل أصبحت السلطة تجني ما تشاء من نتائج دونما الحاجة إلى الاجتهاد في ترتيبها..
الخلل إذن موجود في كل مكان، والمسؤولية مشتركة بين الجميع وإن كانت بقدر متفاوت، إذ لا يعقل أن نجعل المتهمين كالضحايا، ولا السلطة كالمعارضة.. لذا فالحل ليس بالبساطة التي تتصورها المعارضة، ولا يبدو قريب المنال…