الرأي

يرقصون في المساجد ويصلون في الملاهي؟!

الشروق أونلاين
  • 4003
  • 11

في كل دول العالم يتم انتقاد المشاريع الكبرى بأفكار كبرى، والزلات الكبرى بمقترحات كبرى، إلا في الجزائر، حيث مازال النقد وسيلة لتصفية الحسابات ورهين الارتجالية والعنترية، والذين راحوا يجمعون الإمضاءات لأجل تعطيل بناء المسجد الأعظم في الجزائر العاصمة لم يقدّموا أية حجة مقنعة، فتحدثوا عن التبذير، في الوقت الذي احترقت على مدار عقود أمام أعينهم مئات الملايير من الدولارات في المشاريع الوهمية والفاشلة، وتذكروا مشاكل المواطنين الاجتماعية في الوقت الذي سكت هؤلاء الذين يعانون من مشاكل السكن والشغل، وربما رحبوا ببناء المسجد الأعظم.

والأمر سيان بالنسبة للذين ينتقدون المهرجانات الغنائية وقدوم الفنانة إليسا وأخواتها إلى الجزائر، حيث يبنون انتقادهم على المبالغ المالية التي تُصرف على الحفلات، ويذكرون في خضم انتقاداتهم الشيخ بن باديس والعربي بن مهيدي ومالك بن نبي ويمزجون “خلطتهم” بالراقصين والراقصات دون تقديم انتقادات تشفع لهم ثورتهم، وتبقى البلاد تدور والمشاريع تتعطل وأكثر من ذلك الأفكار تُشل وتتجمد.

ومن الغرائب أن يقول فنان جزائري أن الدولة ستصرف مليار أورو في بناء مسجد، ونحن نمتلك خمسة عشر ألف مسجد، ولا تبني مسرحا ونحن لم ننجز مسرحا طوال السنة، ويقول مهندس معماري أن تكاليف بناء المسجد الأعظم تكفي لبناء مئة ألف وحدة سكنية قد تقضي على أزمة السكن والعزوبية، ومن الغرائب أيضا أن مواطنا في عنابة خلال الصائفة الماضية احتج على حضور الفنانة اللبنانية إليسا وقال أن المليار الذي أنفقته لجنة حفلات البلدية يُخرجه وأهله من الضياع، وانتقد إمام في المدينة حضور الفنانة وقال أن المسجد الذي يؤم فيه الناس في حاجة إلى ترميمات، وهو منطق مادي قد يجرنا إلى تسيير المال حسب الأهواء والنزوات كما يفعل الكثير من محركي دواليب الدولة، بل ويجعلنا سجناء المادة لا نقيّم المشاريع إلا بقيمتها المالية رغم اقتناع الجزائريين جميعا بأن ما يحدث من تبذير في الجزائر جاوز كل الحدود، والجزائر بإمكانها بخيراتها مع قليل من الرشاد أن تبني مسجدا عملاقا في كل ولاية وأن تتجول بإليسا ونانسي عجرم وغيرهما من فنانين وفنانات العرب والغرب في كل قرى الجزائر.

عجلة التنمية في الجزائر مازالت معطلة إن لم تكن تسير بسرعة جنونية إلى الخلف، ومع ذلك كلما ظهر مشروع إلا وطالته سكاكين الانتقاد وأحيانا سكاكين البتر، فإذا أنجِز ملعب قيل أنه للهو واللعب، وإذا لم ينجز قيل أن كل دول العالم لها ملاعب إلا الجزائر، وإذا أنجز مسجد قيل أنه لا جدوى منه، وإذا لم ينجز ضُربت الأمثلة بمساجد أنقرة والدار البيضاء، وإذا أنجِزت دار للأوبرا قيل أنها للغناء والرقص، وإذا لم تنجز ضُربت الأمثلة من القاهرة وبيروت، وكانت النتيجة أن لا شيء أنجز، وما أنجز مازال محل انتقاد، أما المصيبة الكبرى أن لا أحد طالب بمراقبة أموال إنجاز المسجد الأعظم ومساره حتى لا تحدث فيه الاختلاسات والأموال المبيضة كما في كثير من المشاريع، حتى يكون المسجد كما أراده الله في سورة التوبة “لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين”.

مقالات ذات صلة