يفهمون في كلّ شيء!
بعض الوزراء “يفهمون في كل شيء”، ولذلك يتكلمون في كلّ شيء وعن أي شيء، وأينما تمّ تغييره من حقيبة إلى أخرى في التعديلات الوزارية، فإنهم يسقطون على أرجلهم كالقطط التي هي بسبع أرواح!
هل يُمكن للطبيب أن يتكلم لغة الميكانيكي؟ وهل بإمكان الميكانيكي أن يُجري عملية جراحية على مريض مصاب بمرض مزمن ـ عافانا الله وإياكم وشفى كلّ المرضى والمبتلين ـ؟
بعض هؤلاء الوزراء منذ التغيير الحكومي الأخير، رحلوا من حقيبة إلى حقيبة وزارية أخرى، لكنهم دون أن يمكنوا أنفسهم من “استراحة المحارب“، حتى يعلموا خبايا وخفايا المهمة الجديدة، سارعوا إلى القيل والقال وكثرة التحليل والتجوال في وزارات الإبداع والترحال!
فعلا، السياسة تقول إن الوزارة هي “منصب سياسي“، أي إن الوزير المعيّن، سواء كان متحزبا منتميا إلى حزب ما، أو مستقلا وتيكنوقراطيا، فإنه لا يشتغل إلا بحاشيته ومستشاريه وبطانة السوء أيضا إن اقتضى الأمر ذلك!
الوزير والمسؤول الذي يرفض استعجال التصريحات للصحافة، ويطلب فسحة للاطلاع على جديد القطاع الذي تبوّأ منصبه، يستحق دون شك الاحترام والتقدير، فقد يُخطئ هذا المسؤول فيقول ما لا يعلم، أو يُعلن عن رقم أو معلومة بإمكانها أن تقيم الأرض ولا تقعدها!
جميل جدّا لو كان الوزير أو المسؤول ابن قطاعه، متخصصا في الحقيبة أو الوظيفة التي أسندت إليه، أو أسند هو إليها، إمّا بالكفاءة أو الولاء أو بالصدفة وتشابه الأسماء!
لكن، الملاحظ أن معينين في حقائب ومناصب، يجهلون تفاصيل هذا القطاع، أو أبجديات الآخر، فيضرون أنفسهم قبل أن يخدموا من حولهم، وتكون بعدها الكارثة حتما مقضيا على الجميع!
يستحيل أن يفهم هذا أو ذاك في كل شيء، ويكون “بوعرّفو” في كلّ شيء، ومن اللائق عدم الاستعجال، ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة، وهو التشخيص الحاصل بالنسبة إلى الكثير من الوزراء والولاة والأميار وغيرهم من كبار المسؤولين وصغارهم، ممّن ينتقلون من “الهدرة” إلى فنون “الثرثرة“!
لم نسمع بوزير رفض الحقيبة بحجة أن قطاعها ليس من اختصاصه، بل بالعكس، فإن الغالب، أن هذا النوع من البشر يقبل بأيّ حقيبة حتى وإن كانت فارغة أو مملوءة بالمشاكل.. ورغبته ليس البحث عن الحلول، وإنما ملء “حقيبته” الشخصية قبل أن يُطلب منه حزم الأمتعة!