يوسف بن خدة…كما عرفته أنا وكما عرفته الجزائر
عرفتُ يوسف بن خدة في سنواته الأخيرة إنسانًا هادئًا قبل أن أعرفه اسمًا في كتب التاريخ. كان حضوره بسيطًا، بلا ضجيج، يحمل معه ذاكرة بلدٍ كامل لكنه لا يستعرضها. يجلس، يصبّ الشاي، ويتحدث عن الجزائر كأنها أمانة في عنقه لا حكاية للتفاخر. لم يكن يستعيد الماضي ليُبهر، بل ليُذكّر بأن الدولة فكرة تُصان، وأن الرجال يمرّون وتبقى الجزائر. في تلك اللحظات القليلة، أدركت أنني أمام رجلٍ عاش التاريخ واختار أن يظلّ أكبر من ضجيجه.
في تاريخ الأمم لحظاتٌ حاسمة يولد فيها الرجال الكبار، لا لأنهم طلبوا المجد، بل لأن الزمن احتاج إلى ميزانٍ يستقيم به. وفي تاريخ الجزائر اسمٌ يبرز في تلك اللحظة الفاصلة بين الثورة والدولة: يوسف بن خدة. لم يكن الرجل مجرّد قائد سياسي عابر في مسار التحرير، بل كان، في عمق المعنى، أحد أوائل من حملوا فكرة الدولة الجزائرية قبل أن ترى النور.
وُلد في زمنٍ كانت الجزائر فيه فكرةً مقموعة، وتكوّن في مدارس النضال الوطني حيث كان العمل السياسي الطويل والصبور هو الطريق الوحيد. صيدليًّا في تكوينه، دقيقًا في طبعه، ومناضلًا في مساره، انخرط مبكرًا في العمل الوطني ضمن الحركة الاستقلالية، قبل أن يكون أحد وجوه جبهة التحرير الوطني في سنواتها الأولى. لم يكن من رجال الخطابة الصاخبة، بل من رجال البناء الهادئ. وكان يؤمن بأن الثورة ليست غاية في ذاتها، بل جسرًا نحو دولةٍ يجب أن تُصان.
حين تولّى رئاسة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سنة 1961، كانت الثورة قد بلغت ذروتها، لكن التحدّي الأكبر لم يكن عسكريًا بقدر ما كان سياسيًا ومؤسساتيًا. كان على القيادة أن تفاوض، وأن تحافظ على وحدة الصف، وأن تُهيّئ الأرضية لدولة ستولد في ظروف معقّدة. في تلك المرحلة، احتاجت الجزائر إلى رجلٍ يجمع بين الشرعية التاريخية والرصانة السياسية. فكان يوسف بن خدة، بهدوئه المعروف وحرصه على التوازن.
كتب لاحقًا في مذكراته ما يلخّص رؤيته: «لم تكن مهمتنا أن نربح الاستقلال فقط، بل أن نحافظ على معنى الدولة التي ستولد بعده». بهذه العبارة، وضع الرجل معيارًا لا يزال صالحًا إلى اليوم: الاستقلال بداية، لا نهاية؛ والدولة مسؤولية، لا شعار.
جاء الاستقلال، وجاءت معه صراعات السلطة التي يعرفها تاريخ كل الثورات. أُقصي بن خدة عن الحكم، كما أُقصي غيره ممن حملوا تصورًا مختلفًا لشكل الدولة. غير أنّه لم يحوّل الإقصاء إلى مرارة، ولا إلى خصومة مفتوحة. اختار موقعًا نادرًا في الحياة السياسية: موقع رجل الدولة الذي يعرف أن التاريخ أطول من لحظة السلطة، وأن الجزائر أكبر من الأفراد.
عاش سنواته اللاحقة بعيدًا عن الضجيج، قريبًا من الناس، محتفظًا بوقاره ونزاهته. ظلّ وفيًا لفكرة الدولة المدنية المتوازنة، وظلّ صوته هادئًا حين يتكلم، واضحًا حين يكتب. كان من آخر رجال جيل التأسيس الذين جمعوا بين تجربة الثورة ووعي الدولة، بين الشرعية النضالية وفضيلة التواضع.
ولمن أتيح لهم أن يلتقوه في تلك السنوات، كان الرجل كما وصفه كثيرون: بسيطًا في حضوره، عميقًا في حديثه، لا يتكلف التاريخ ولا يتبرأ منه. كان يتحدث عن الجزائر كأمانةٍ يجب أن تُصان، لا كذكرى تُستعرض. كان يستحضر سنوات التأسيس دون مبالغة، ويستخلص منها العبرة دون أن يحوّلها إلى درسٍ ثقيل. وفي صوته دائمًا نبرة رجلٍ يعرف قيمة الدولة لأنه ساهم في صياغتها قبل أن تولد.
رحل يوسف بن خدة في فبراير 2003، بهدوء يشبه حياته. لم يسعَ إلى أضواء متأخرة، ولم يطالب باعتراف متأخر. ترك للتاريخ أن يقول كلمته، وترك للأجيال أن تقرأ سيرته بعيدًا عن ضجيج اللحظة. واليوم، حين نستعيد اسمه، نستعيد معه نموذجًا نادرًا في السياسة الجزائرية: رجل دولةٍ لم تُفسده السلطة حين كانت قريبة، ولم تُغيّره حين ابتعدت.
إنّ الجزائر، وهي تستحضر رجالاتها الكبار، لا تستحضر فقط وقائع الثورة، بل تستحضر أيضًا أخلاق الدولة التي حلم بها أولئك الرجال. ويوسف بن خدة يبقى، في هذا السياق، واحدًا من أولئك الذين فهموا مبكرًا أن الثورة وسيلة، وأن الدولة غاية، وأن أعظم ما يتركه رجلٌ خلفه ليس منصبًا، بل مثالًا.
وهكذا يبقى اسمه في ذاكرة الجزائر: هادئًا كما كان، راسخًا كما ينبغي أن يكون اسمُ رجلٍ خدم وطنه بصمت، وترك في مساره ما يكفي ليذكّرنا بأن بناء الدول يحتاج، قبل كل شيء، إلى رجالٍ من طينة يوسف بن خدة.