يوم الشهيد! !
ما سمعت وما قرأت أن إنسانا نفر للجهاد في سبيل الله –عز وجل- ثم في سبيل استقلال وطنه، ثم يتمنى أن يقبضه الله إليه قبل أن تكتحل عيناه برؤية ذلك الاستقلال إلا ما قرأته مرويّا عن الشهيد لطفي تقبله الله بفضله وكرمه في صادق الشهداء، حيث أورد المناضل فرحات عباس-رحمه الله- أن العقيد لطفي قال له بعدما رأى ما رأى من تناحر “الإخوة المجاهدين” وتآمرهم على بعضهم: “إنني أفضل أن أموت في ساحة المعركة على العيش وسط هؤلاء الذئاب بعد الاستقلال”. (فرحات عباس: تشريح حرب ص 378 ط. وزارة المجاهدين).
إن تفضيل العقيد لطفي –رحمه الله- الموت قبل الاستقلال على العيش وسط من وصفهم بـ “الذئاب” ذكرني بمقولة للكاتب المصري حسنين هيكل، وقد نسيت أين قرأتها، وهي أن أمجاد الثورة الجزائرية تملأ مجلدات ضخاما، كما أن مساوئها تملأ مجلدات أخر.
إن هؤلاء الذين سماهم الشهيد لطفي “الذئاب” لم ينتظروا مجيء الاستقلال لينهش بعضهم بعضا، بل فعلوا ذلك ودماء “إخوانهم” تنزف، والعدو الفرنسي يتربص بهم جميعا، مما يدل على أن “القضية الوطنية” كانت في مركز متأخر من اهتماماتهم الذاتية.
لقد حرموا الشعب الجزائري من أن يفرح بالثأر من مجرمة الإنسانية فرنسا، وطردها مذمومة مدحورة من “جنة الدنيا” الجزائر، بل أشمتوا فرنسا بنا بما فعلوه في بعضهم…
ولنضرب مثلا بمن وصفوا بـ “رموز” الثورة الجزائرية، وهم هؤلاء “الخمسة”، الذين تغنّى بهم الشعب الجزائري، والشعوب العربية والإسلامية – هؤلاء الخمسة ما أن بزغ فجر الاستقلال حتى نزغ شيطان الهوى بينهم…
وما أن استولى أحدهم على السلطة، وخُيّل إليه أنه “جاءنا برسالة” كما كان يردد، حتى راح يطارد “إخوانه”: الذين اقتسموا معه “الملح والخبز” في سجون العدو الفرنسي، فخيضر وبيطاط أنجاهما منه فرارهما، وآيت أحمد اعتصم بالجبل قبل أن يقبض عليه، وبوضياف ألقى به في غيابات السجن.. وما هي إلا سنتان ونصفا حتى كان هو نفسه يشرب مما شرّبه لغيره..
لو كان هؤلاء “الذئاب” من أحزاب سياسية مختلفة لا لتمسنا لهم بعض العذر في التنكيل ببعضهم، ولكنهم أبناء “مدرسة” واحدة.. ولست أدري “من علّمهم، وماذا علمهم”؟
ولو مدّ الله في أعمار أولئك الشهداء (ابن بولعيد، ديدوش، ابن مهيدي، لطفي….) لأصابهم على أيدي “إخوانهم” ما يخجل المرء من ذكره. بل إن الإهانة لم تستثن بعض رموز أولئك الشهداء كالحواس وعميروش اللذين بقيا في دهليز أحد “الفراعنة” حتى أعاد إليهما الكرامة الشاذلي ابن جديد بعد عشرين سنة من الإهانة..
إنها الدنيا الحلوة الخضرة التي أذلّت النفوس العطشى..
رحم الله من علم في قلوبهم خيرا فاتخذهم شهداء، والأمر إليه فيمن تعدى حدوده، إن شاء عذب وإن شاء غفر..