يُلحدون نفاقا!
قبل عام وجهنا الدعوة إلى الروائي رشيد بوجدرة للمشاركة في مناظرة مع أحد أهم رموز التيار الإسلامي، الوزير السابق أبو جرة سلطاني، في برنامج “هنا الجزائر”، فلم يتجرأ بوجدرة على البوح بمعتقداته المعروفة أمام أبوجرة، لأنه يعلم أن هذا الأخير لن يسكت عن أي إنكار لوجود الله أو نبوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لكن هذه المرة كانت صراحة بوجدرة صادمة في برنامج “المحكمة”، حين رفض القسم بالله وأنكر النبوة واعتبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجرد زعيم ثوري.
المشكلة في رشيد بوجدرة والكثير من أمثاله، أنه لم يتمرد على دين أجداده فحسب، وإنّما تمرّد على السّلوك البشري بشكل عام عندما استخف بالجنائز، وقال إنه لم يمش في جنازة في حياته ولم يزر قبر أمه منذ أن ماتت.. وفي ذلك شذوذ عن الطبيعة البشرية وخروج عن كل الأعراف المعمول بها في الأمم المؤمنة والملحدة.
لكن السؤال المطروح هو: ما مدى اقتناع بوجدرة نفسه بهذه الأفكار التي قالها؟ أم إنه يرددها نفاقا وجلبا للانتباه لدوائر إعلامية وسياسية ألفت التركيز على المتجرئين على الإسلام وثوابت الجزائريين كما فعلوا مع كمال داود الذي نال جائزة الغونكور بعد أن نال هو من الإسلام والقرآن والمجتمع الجزائري؟
يُلحدون ويتجرؤون على الدّين فتفتح لهم أبواب النّجومية وتتسابق دور النّشر والفضائيات الأجنبية إلى الترويج لكتاباتهم ونقلهم إلى العالمية، لا تقديرا لإنتاجهم الفكري أو الأدبي وإنما تمكينا لكل الأصوات التي تسير عكس التيار، كذلك فعلوا مع المروجة لحملة السيقان العارية التي أصبحت محل اهتمام الإعلام الغربي خلال الأيام الماضية.
من كان يسمع بصاحب “آيات شيطانية” لولا فتوى الخميني بإهدار دمه؟ وكم أولئك الذين كانوا يقرؤون لكمال داود لولا خرجة زيراوي حماداش، بإهدار دمه، بل أزعم أنه كان سعيدا جدا بما قاله حماداش لأنه تحوّل إلى بطل يحارب قوى الظّلامية، ما جعل الكثير يتضامن معه في الجزائر وخارجها.
ما قاله رشيد بوجدرة في برنامج “المحكمة” ليس جديدا، إنّما الجديد هو الصراحة والوضوح والإصرار على الإلحاد، ومع ذلك يبقى هذا الموقف من رشيد بوجدرة موقفا شخصيا يحاسب عليه وحده، ولعل مناقشته بهدوء أفضل من سيل الشتائم التي نسمعها في حقه، لأنّه في النّهاية لم يؤذ أحدا ولم يدع إلى عنف، ولم يسقط في الإساءة والإهانة كما فعل كمال داود، وإنما عبر عن قناعات شخصية تلزمه وحده.