المال السّايب يعلّم السرقة!
يُروى والعهدة على الراوي، أن التحقيقات ستمتدّ إلى خزائن وفضائح الفساد داخل الأحزاب السياسية. وفي حال كان ذلك قولا وعملا، فإن الرعب سينتقل إلى طواقم وكوادر هذه التشكيلات التي عاثت فسادا في الحقل السياسي وفي مجال التسيير وفي البرلمان والمجالس “المخلية” والحكومة، وحوّلت منطق ”البقارة” وأصحاب “الشكارة” إلى لغة وحيدة في التعاملات والترشيحات الانتخابية!
نعم، قد يصعب على المحقـّقين الحصول على أدلة تـُثبت صحة الاتهامات وصحة حدوث الفساد داخل أحزاب أصابتها العدوى، وتحوّلت في كثير من الأحيان إلى مفارخ ومحاضن لإنتاج وإنتاش بذور الفساد وتسمين المفسدين ورعاية “الباندية”، وقديما قالوا: المال السّايب يعلّم السرقة!
منذ اعتماد التعددية الحزبية بداية التسعينيات، بأكثر من 60 حزبا، لم يُبادر، كما لم يتشجّع، ولا حزب، مهما كانت ملته ودينه، على عرض حصيلته المالية والأدبية والسياسية والانتخابية. كما لم يفتح ولا حزب، كبيرا كان أم صغيرا، حساباته ودفاتره المالية، ولم يتجرّأ ولا حزب أيضا، قديما كان أم جديدا، على الإعلان عن أرقام مناضليه وكوادره!
المصيبة، أن بعض الأحزاب ما زال عدد قيادييها أكبر بكثير من عدد مناضليها والمتعاطفين معها، والأخطر من ذلك أن أغلبها بلا برامج مجتمع، وبلا حلول ولا بدائل، وبالتالي فإن هذه الأحزاب، بالونة مملوءة فقط بالهواء، يكفي لوخزة إبرة أن تفرقعها في أيّ مكان وأيّ زمان!
لكن، الطامة الكبرى، أن أغلب الأحزاب، بكبيرها وصغيرها، وقديمها وجديدها، أصبحت تلتقي عند مفترق طرق صناعة الفساد، فقد تحوّلت هذه الأحزاب في نظر قياديين ومناضلين إلى شركات مناولة وشركات “صارل” للربح السريع وأيضا إلى مدافئ للترويع والتجويع!
قد تكون هذه الأحزاب التي يسكنها “جنّ أزرق” في حاجة إلى راق أو مشعوذ محترف يكتب لها “حرزا” أو يضرب لها “خطّ الرمل” أو يعالجها عن طريق “الزمياطي”، علّها تتحرّر من الجنّ الذي يسيّرها ويُرعب ساكنيها من التابعين الذين دخلوها بنوايا حسنة وأياد بيضاء!
هناك شهادات واعترافات وقرائن وصور واتهامات، تورّط بالجملة والتجزئة قيادات حزبية في “الفساد”، إمّا ببيع الترشيحات ورؤوس القوائم الانتخابية، وإمّا بتحويل أموال الاشتراكات والبزنسة في بطاقات الانخراط، وإمّا بتضخيم فواتير تسيير الحزب، وإمّا ببيع وشراء حقائب الوزراء والنواب وعضوية هيئة أركان الحزب، وإمّا باستخدام الحزب لإبرام صفقات مشبوهة عن طريق الضغط والابتزاز ومساومة الوزراء والولاة والأميار!
نعم، من الضروري، أن تفتح المصالح المختصة، والمخوّلة قانونا، تحقيقات واسعة ومعمقة، عادلة وعاجلة، في تجاوزات وخروقات الأحزاب، دون التميير والمفاضلة بينها، حتى تنكشف خديعة هؤلاء وأولئك، ويتمّ ردّ الاعتبار للأحزاب كهياكل للتعبئة والتمثيل الشعبي وممارسة المعارضة النظيفة التي تكفر بعقلية المقايضة و”تبادل السلع”!
بعض “السياسيين” سارعوا إلى تأسيس أحزاب من أجل “أكل العيش” بواسطة فتح “دكاكين سياسية”، وبالتحليل التجاري، فإن الدكان الذي يُفلس ولا ينجح في استقطاب الزبائن وتتعرّض بضاعته للكساد وتأكلها “الطبّات” في الرفوف، على مالكه أو شركائه المسارعة في تشميعه وتغيير النشاط التجاري، لكن هذا ما لم يحدث مع عدة أحزاب “مفلسة” تفضل الاستمرارية بالخسارة!