صواعق الكلام
خطب صلى الله عليه وسلم خطبة ضافية في بدر قرَّبت الجنة لعشاق السعادة، وبغَّضت البقاء عند محبي الدنيا، وسهلت الموت على طالبيه، والقتل على راغبيه، فتسابق المؤمنون على وقع كلامه صلى الله عليه وسلم وكأنهم في صراع الأعداء يلجون أبواب الجنة الثمانية، وفي نزال الكفار يطوفون بالكوثر، وفي حزّ هامات الوثنيين يتحسّون الكأس الدهاق في جنات عدن.
- وخطب صلى الله عليه وسلم قبل أحد بيوم فأبى الأبطال البقاء في المدينة، وحثّوا السير إلى أُحد ورنين الخطبة في الآذان كأنها طلائع الجيوش، ورايات الكتائب، وأعلام الجنود.
- ولما مات صلى الله عليه وسلم وقع الخطب الجلل والحدث المدلهم، فقام أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – فعزّى في المصاب وسَلَّى في الخطب، ودمل الجراح، ومسح الدمع، وأعاد للهمم توقدها، وللنفوس إشراقها، وللضمائر حياتها.
- فكأن الكلام الذي ارتجله كلام جديد، هبط من الغيب على أجنحة القبول، وهبط من الفلك على أوسمة المحبة.
- عبر طارق بن زياد البحر، ولقي العالم العالَم الكافر، واحتدم الهول، وقامت قيامة الأبطال، فهتف بخطبة طنَّت لها آذان الشجعان، ورنَّت لها رماح الأقران، وتقدم على صليلها الجبان فهو يزبد ويرعد والصفوف تتقدم، والمنايا تقع على الرؤوس، والموت يداعب النفوس، فإذا جيش المسلمين على هدير خطبة طارق يطرق باب الفتح، ويدق جرس الانتصار، ويعفّر أنوف الطغام برغام المعركة.
- كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إذا خطب فجّر ينابيع البيان، يأخذ الأرواح طواعية، ويأسر النفوس أسراً، ويكسر جماجم الفصاحة على رؤوس الأشهاد كسراً.
- يرتجل الخطبة فكأن كل جملة لوحة هائمة في الجمال، روعة الحسن، غاية في النفاسة، فعليُّ أبو الحسن هو الفصاحة وهي هو.
- وكان ابن الجوزي يعظ الناس فتقع في مجلس وعظه صور غير عادية في حياة الناس.. انخلاع في النفوس، تدفق في الدموع، ذهول في الجمهور، وجل في قلوب الحضور، فذاك يصرخ تائباً، وهذا ينتحب نادماً، وهذا يُغمى عليه، وذاك ينسحق تحت سياط الوعظ.
- بعض الخطباء يخطب في الجلوس، فيجثون على الركب، ويزحفون إليه، وتنقطع أبصارهم فيه.
- بعض الخطباء يخطب في الجموع فلا تنبس شفة، ولا تتحرك أنملة، ولا يرمش طرف.
- وبعض الخطباء إذا خطب قعقع منبره بهدير صوته، وصار جمهوره في قبضته، وأصبح مستمعوه طوع يمينه، وآخرون إذا خطبوا انسابوا كالماء هدوءاً وسكينة، وهبُّوا كالنسيم لطافة ورقة، يصاحبون الأرواح قبل الأجسام، والأنفس دون الأبدان.