كبرياء الجزائريين!
قد نختلف ونتخالف مع بعضنا البعض، ونتشابك بالألسن ونتنابز بالألقاب، وقد نتشاجر ونتصارع سياسيا، ونتناقض ونقاطع بعضنا البعض، قد نهاجم بعضنا البعض، وقد يضلّل البعض البعض الآخر ويغلطه.
.. لكن من واجب هؤلاء وأولئك، أن يلتقوا مع بعضهم البعض، ويضعوا خلافاتهم وحساباتهم وحساسياتهم ومصالحهم جانبا، عندما يتعلق الأمر بخطر خارجي أو عدوان أجنبي يترصّد أمن واستقرار الجزائر ووحدتها؟
لقد أثبت العدوان الذي استهدف قطعة من الجزائر الآمنة، أن الجزائريين يصطفّون ويلتفون حول بلدهم وجيشهم الشعبي، ومثلما وقفت الأغلبية “دون أن تفهم الحقيقة”، ضد إعلان فرنسا عن قرار الجزائر بفتح مجالها الجوي أمام الطائرات الفرنسية المتوجهة إلى الحرب في مالي، فإن نفس الأغلبية الساحقة، بل الجميع، وقف مع تدخل الجيش الجزائري لتحرير الرهائن من قبضة الإرهابيين في عين أميناس ومنعهم من الفرار.
هذه هي العقيدة الجزائرية: لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولا تـُرسل قواتها إلى الحرب فوق تراب ليس ترابها، لكنها لا تتردّد في سحق الإرهابيين والمجرمين، خاصة إذا كانوا من “اللفيف الأجنبي”، وتجرّؤوا على اختراق الأراضي الجزائرية السيّدة أو التسلل إليها.
العملية العسكرية الناجحة للجيش الوطني الشعبي بقاعدة تيڤنتورين، وذلك بشهادة الخبراء الأمنيين في الداخل والخارج -رغم “خسائرها”- أكدت أن الجزائر لا تتفاوض أبدا مع الإرهابيين، وهذه العملية ستنشر أيضا “الرعب” وسط المسلحين الذين لن يجرؤوا على تكرار جريمتهم التي خسروا فيها كل عناصرها التي كانت عين أميناس مقبرة لهم!
نجاح الجيش الجزائري في مهمة القضاء على الإرهابيين الذين استهدفوا القاعدة البترولية بعين أميناس، هو أيضا برأي خبراء متخصصين، “ضمانة” لكل دول الجوار، إذ يصبح من الصعب الآن على التنظيمات المسلحة اقتحام المنشآت الحسّاسة، وإن كان احتمال تنفيذ اعتداءات انتقامية يبقى واردا لإعادة الأمل في صفوف المسلحين النشطين بالساحل، وتحديدا هؤلاء الذين يُواجهون القوات الفرنسية المتواجدة بمالي!
مهما ركبت العواصم الأجنبية موجة التهويل والتأويل، وركبت أيضا باخرة تصفية الحسابات والابتزاز ومحاولة ليّ ذراع الجزائر، بالاصطياد في المياه العكرة، فإن الجزائر ستبقى صامدة برجالها وقواتها المسلحة، وستبقى مقتنعة بقراراتها وعقيدتها ومبادئها الثابتة وغير القابلة للتبدّد.
في مثل هذه الاستثناءات، يتّضح من هو الصديق ومن هو العدوّ، وللجزائريين بطبيعة الحال، تجربة مريرة عايشوها خلال سنوات المأساة الوطنية، عندما هرب عنـّا الصديق قبل العدو، وقاطعنا الحبيب والجار قبل الربيب والبعيد، ومنهم من انخرط في تصدير الفتاوى المعلّبة لتأجيج نار الفتنة، ومنهم من حرّض على مقاطعتنا وتجويعنا!
عدوان عين أميناس، يعطي الانطباع أن “المؤامرة” الخسيسة، استهدفت في ما استهدفته من خلال الجريمة التي نفّذها إرهابيون من جنسيات متعدّدة، ضرب الاقتصاد الوطني في شراينيه، واستهداف الجزائر في قوة شعبها، وأيضا محاولة تأليب الرأي العام الدولي، وإعادة أنظاره إلى “جبهة” الجزائر عن طريق التضخيم، بهدف إلهائه عن آثار الحرب الغامضة والمشبوهة في مالي!