…وكأن شيئا لم يك !!
بمجرد ظهور الرئيس على شاشة التلفزيون مكذبا اشاعات وفاته التي روجها المتربصون من ضعاف النفوس، وإحداث تغيير شكلي لبعض أعضاء الحكومة، وانعقاد أول مجلس للوزراء منذ سبعة أشهر، وبمجرد عودة الموظفين إلى نشاطاتهم والتلاميذ والطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم وفوز منتخب كرة القدم في مباراته مع ليبيا.. التقط الجزائريون أنفاسهم واستعادت الواجهة الداخلية للجزائر حيويتها وكأن شيئا لم يكن، ونسي الجزائريون مؤقتا تلك الفترة العصيبة التي عايشوها طيلة فصل الصيف وقبله والتي تميزت باستقالة جماعية غير معلنة لكل المسؤولين على كل المستويات، وإهمال وتسيب وتهرب من المسؤولية أفقد الجزائريين أعصابهم وصوابهم وهم الذين لبوا النداء وذهبوا إلى صناديق الاقتراع شهر ماي الماضي وكانوا ينتظرون الجديد..
الأمر لم يكن يتطلب سوى طلة الرئيس ليس لأنه بوتفليقة بعينه ولكن لأنه المؤسسة الدستورية الأساسية والمهمة التي انتخبها الشعب، ولأن الجزائريين يقدرونها حق قدرها ولا يحبذون الفراغ، وتواقون إلى الأمان والاطمئنان والاستقرار، وكلهم أمل في غد أفضل تتغير فيه الأمور نحو الأحسن ويعود كل واحد منا إلى القيام بواجبه نحو وطنه، كما أن الأمر لم يكن يقتضي سوى طمأنة الشعب ولو بأمور شكلية وإعطاء الانطباع بأن البلد له أهله وناسه يتحلون بالمسؤولية وليس عبارة عن قرية أو “دوار” أو حتى مزرعة خاصة يتصرف فيها صاحبها كما يشاء.. ومع ذلك كان يمكن لكم أن تقولوا للشعب بأنكم في عطلة ولو طويلة الأمد لتبرير الفراغ وغياب الدولة ورجالها ومؤسساتها كل هذه الفترة..
لقد عشنا فترة عصيبة ومتعبة من حياتنا فسحت المجال واسعا أمام انتشار الإشاعة والخوف والشك واستمرار الفراغ والنهب وضياع مصالح الناس، وعشنا على أعصابنا ننتظر التغيير الذي وعدونا به ومازالوا دون أن يوفوا بعهودهم، بل اكتفوا بالدعوة في مجلس الوزراء الى تحريك عجلة الأمور ما يعني اعترافا بالجمود السائد، ودعوا الى استعادة هيبة الدولة ودولة القانون ما يعني بأنها كانت غائبة..
إننا نخاف أن تكون لهذه الاستفاقة غاية ظرفية سياسية ودعائية في نفس يعقوب تسبق التحضير لدعوة الجزائريين مجددا إلى المشاركة بقوة في الانتخابات المحلية المقبلة التي سيقولون لنا بشأنها بأنها مصيرية كغيرها من الاستحقاقات السابقة، وخوفنا الكبير أن تكون الاستفاقة وما حملته من روتوشات هي بداية لإعادة توزيع الأدوار قبيل الرئاسيات المقبلة دون أن يتغير أي شيء ويكون الشعب كله ”قد طاب جنانو فعلا” ويبقى رهينة حلقة مفرغة تدور دون ارادته ورغبته!
حرام عليكم ما تفعلونه بشعبنا من تلاعب بمشاعره وأعصابه ومصالحه ومستقبله، وما تفعلونه بوطننا وبكل القدرات التي يزخر بها في ظل التحديات القائمة بيننا وحولنا، وكل التراكمات المتزايدة والتخوفات السائدة في أوساط المجتمع، وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم من حولنا، وحرام أن تعتقدوا بأن انتصاركم على الاستعمار وصمودكم في مواقعكم على مدى خمسين عاما أمام كل الهزات كان على حسابنا، وتعتقدوا بأننا انهزمنا واستسلمنا، لأن انتصاركم واستمراركم لا يعبر عن قوتكم وضعفنا، ولا عن حيلتكم وسذاجتنا، ولا يعكس حقيقة قدراتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، لأننا لم ننهزم ولم ننكسر ولم نستسلم، ولن نيأس مادمنا على قيد الحياة.. ومثلما عدتم الى الواجهة وكأن شيئا لم يكن، فإن الجزائر ستقف مجددا بفضل أبنائها وكأن شيئا لم يكن، وكأنكم لم تكونوا، لأن البقاء لله والوطن..