الرأي

‭‬الجزائريون والتحرّر العربي

سهيل الخالدي
  • 2362
  • 0

‭ ‬بدعوة كريمة من‮ “‬مركز الدراسات والبحث في‮ ‬الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر‮ ‬1954‮” ‬حضرت ملتقى دور ومساهمة الجزائريين في‮ ‬حركة التحرر العربي‮ ‬خلال القرنين التاسع عشر والعشرين التي‮ ‬انعقدت في‮ ‬فندق الأوراسي‮ ‬يومي‮ ‬19و20‮ ‬أفريل2015‮.‬

‭ ‬وكان نصيبي‮ ‬أن ألقي‮ ‬في‮ ‬اليوم الأول مداخلة سألت فيها القاعة عن المجاهد الجزائري‮ ‬الفلسطيني‮ ‬محمود الأطرش ودوره في‮ ‬الأحزاب الشيوعية العربية مشرقا ومغربا وفي‮ ‬الثورة الجزائرية التي‮ ‬انضم إليها في‮ ‬وقت مبكر‮.. ‬لكن الأهم من مداخلتي‮ ‬كانت مداخلات الأساتذة،‮ ‬فقد نفض المحاضرون الغبار عن أسماء تجاهلتها كليا المصادر الفرنسية ومن‮ ‬يعتمد عليها من الباحثين الجزائريين،‮ ‬فهذه أول مرة‮ ‬يسمع الجزائريون عن المجاهد الجزائري‮ ‬اللبناني‮ ‬عبد السلام بوعزة الجزائري‮ ‬الذي‮ ‬وضع ثروته في‮ ‬خدمة الثورة الجزائرية وقبلها في‮ ‬خدمة تحرير المغرب العربي،‮ ‬وعرّفنا الأستاذ المحاضر الدكتور مصطفى نويصر على هذه الشخصية الجزائرية العصامية وقدّم حولها شهادات قيمة مثل شهادة المرحوم عبد الحميد مهري‮ ‬الذي‮ ‬عرف بوعزة عن قرب وعمل معه في‮ ‬المشرق لصالح الجزائر،‮ ‬وكان نويصر باحثا حقيقيا فقد تتبع الرجل في‮ ‬الميدان وسجل شهادات حية عنه‮.‬

‭ ‬أما الباحث الآخر الذي‮ ‬تعلمت منه في‮ ‬هذا الملتقى،‮ ‬فهو الأستاذ الدكتور علي‮ ‬تابليت،‮ ‬فقد تحدّث عن مجاهد جزائري‮ ‬جاهد في‮ ‬الجزائر وتونس واستامبول ودمشق وفي‮ ‬برلين وكانت له نشاطاته في‮ ‬ألمانيا للمطالبة باستقلال الجزائر‮.. ‬وتمنيت في‮ ‬الكواليس على الأستاذ المحاضر أن‮ ‬يزوّدني‮ ‬بنسخة من محاضرته عن هذا الرجل الذي‮ ‬أهالت المصادر‭ ‬الفرنسية التراب الكثيف على سيرته وتاريخه لأنه تحرك على الساحة الدولية للمطالبة باستقلال الجزائر‮.. ‬وذلك لتعليمنا نحن الجزائريين بأننا لم نعرف وطننا ولم نطالب باستقلاله إلا من خلال فرنسا وديمقراطيتها،‮ ‬وهو بالقطع كلام هراء؛ فالجزائريون عرفوا وطنهم قبل فرنسا ودافعوا عنها ضدها وطالبوا باستقلاله من خلال ثقافتهم وليس من خلال الثقافة الفرنسية،‮ ‬وتحرك مع الدول الكبرى قبل الحرب العالمية الأولى مثل ألمانيا والخلافة العثمانية وغيرهما‮.‬

‭ ‬وهنا‮ ‬يحق لنا أن نسأل‮: ‬هل تعترف وزارة التربية الوطنية عندنا بجهود الباحثين الجزائريين وبتصحيحاتهم الموثقة للتاريخ الوطني‮ ‬وتدرجها في‮ ‬مناهجها وكتبها المدرسية؟ أم لازال مؤلفو الكتب المدرسية‮ ‬يعتمدون على المصادر الفرنسية المشهورة بتزييفها لتاريخ الشعوب الإفريقية من خلال مدرستها البربرية الاستعمارية في‮ ‬كتابة التاريخ؟

‭ ‬وعلينا هنا أن نشيد بوزارة المجاهدين من خلال أهم مؤسسة من مؤسساتها وهي‮ ‬مركز الدراسات الذي‮ ‬قدم لنا حتى الآن مئات الكتب لكبار الباحثين والمؤرخين الجزائريين‮: ‬سعد الله،‮ ‬يحيى بوعزيز،‮ ‬قنان،‮ ‬سعيدوني،‮ ‬المدني‮ ‬وغيرهم كثير،‮ ‬وعلينا أن ننوّه بمدير المركز الدكتور جمال‮ ‬يحياوي‮ ‬الذي‮ ‬يثبت‮ ‬يوما بعد‮ ‬يوم أنه قادر على إدارة مؤسسة علمية بحثية ويبحث وراء التاريخ الجزائري‮ ‬في‮ ‬كل بلدان العالم‮.‬

وكم أتمنى أن تقيم هذا الملتقى كل سنة مرة تتناول فيها موضوعا من الموضوعات،‮ ‬ذلك أننا فهمنا من الأساتذة المحاضرين أن الدور الجزائري‮ ‬في‮ ‬حركة التحرر العربي‮ ‬كان واسعا ومنوّعا وعميقا،‮ ‬فهناك أدوار ثقافية لغوية ودينية وأدوار سياسية‮.. ‬بل إنهم من أوائل الذين أقاموا مؤسسات للمجتمع الديني‮ ‬عدا عن أدوارهم العسكرية والجهادية‮.‬

‭ ‬بل‭ ‬علمنا من الأستاذ علي‮ ‬تابليت أن الجزائريين كانوا موجودين بشكل أو بآخر في‮ ‬الثورة الأمريكية في‮ ‬القرن الثامن عشر‮.‬

ولكن لنا أن نأسف على صحافتنا الوطنية،‮ ‬فالتغطيات حول هذا الملتقى الهام لم تكن بمستواه؛ لا من حيث الكم ولا من حيث الكيف،‮ ‬ويبدو أن بعض مديري‮ ‬صحفنا ومؤسساتنا الإعلامية لا‮ ‬يعترفون بوجود مفكّرين جزائريين‮ ‬يستحقون التغطية كمّا وكيفا،‮ ‬سوى‮ “‬المفكر الكبير‮” ‬الشاب خالد أطال الله شبابه ومنع شيبه‮.‬

مقالات ذات صلة