نتيجة المرض وغياب ثقافة الاتصال
رؤساء وشخصيات ”قتلتهم” الإشاعة
الإشاعة، كما تصنع الأفراح المزيّفة وتدخل السرور المغشوش على قلوب الأفراد، يمكن كذلك أن تحول حياة عائلات المشاهير وخاصة من رجال السياسة وصناع التاريخ، إلى جحيم، لكن لمدة محددة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بفقدان عزيز..
-
أبرز الاشاعات التي اثارت فضول الراي العام خلال السنوات القليلة الأخيرة، كان إشاعة وفاة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إثر حادثة إصابته بـ”القرحة المعدية”، التي نقل على إثرها للعلاج في المستشفى العسكري الفرنسي، فال دوغراس، بعد سنة ونصف من فوزه بعهدة رئاسية ثانية.
-
إشاعة وفاة الرئيس بوتفليقة فعلت فعلتها في ذلك الوقت إلى درجة تصديقها من قبل الكثير، بسبب ربطها ببعض المؤشرات الدالة على جدية هذا الخبر الكاذب، وتسريب أخبار صادقة لها علاقة بالإشاعة، مثل إعادة طلي وتهيئة مقبرة العالية، الأمر الذي فسّره البعض بأن هذه المقبرة مقبلة على حدث جلل.. وكان طبيعيا أن يربط هذا الحادث بمرض الرئيس.
-
ولمواجهة هذه الكذبة، لم يجد المقربون من الرئيس من وسيلة للرد، سوى بتنظيم زيارة مغنّي الراي، المعروف بـ”الشاب مامي” للرئيس بوتفليقة حيث كان يرقد في مستشفى فال دوغراس، للاطمئنان على صحته، قبل أن يدلي بتصريح للصحافة، يؤكد فيه أن رئيس الجمهورية يتعافى، قبل أن يتبين زيف هذه الإشاعة الكاذبة بعودة الرئيس سالما إلى بلاده.
-
إشاعة أخرى فعلت فعلتها في الشارع الجزائري بسبب الطريقة الجهنمية التي حبكت بها، وقد طالت رئيسا سابقا، وهو الجنرال المتقاعد، اليمين زروال، الذي حكم البلاد ما بين 1994 و1999، مفادها أن صاحب العبارة الشهيرة “المغررة بهم”، تعرض لاغتيال أودى بحياته رفقة جميع حراسه الشخصيين.
-
هذه الإشاعة انتشرت كالنار في الهشيم، لأنها انطلقت من الأسواق العمومية الكبيرة، حيث كانت تتنقل عناصر بدت وكأنها مكلفة بمهمة، من ولاية معينة إلى سوق ولاية مجاورة، ثم يزرعون إشاعة اغتيال الرئيس اليمين زروال، ويؤكدون بأن أحد حراسه الشخصيين قتل في الحادث، ويزعمون بأنه ينحدر من منطقتهم وقد دفنوه بالأمس، في محاولة للتأكيد على صدقية خبرهم الكاذب، ثم تقوم جماعة أخرى بنفس العملية في سوق ولاية أخرى، وهكذا..
-
ولم يسلم من الإشاعة حتى الرئيس الأسبق، الشاذلي بن جديد، الذي اختفى نهائيا من الساحة السياسية منذ استقالته أو إقالته، مطلع التسعينيات، ففي العام 2007، سرت شائعة وفاته، بينما كان الرجل في رحلة علاج إلى بلجيكا، لإجراء عملية جراحية على عينيه.. ولم يتأكد أن الرئيس الشاذلي لا زال على قيد الحياة، إلا من خلال ظهوره في أحد النشاطات التي أقيمت في فندق الأوراسي.
-
أحدث الإشاعات الكاذبة، طالت أول رئيس للجزائر المستقلة، أحمد بن بلة، فقد سرت أخبار بوفاته أيضا، وراح البعض يتحدث عن مخاوف من أن يموت الرجل دون أن يدلي في الكثير من المسائل المتعلقة بالثورة وبالسنوات الأولى من الاستقلال، باعتباره واحدا ممن صنعوا الأحداث، لكن تبين أن الرجل يكون قد تعرض فقط إلى وعكة صحية بحكم عمره المتقدّم.
-
ولعل أغرب ظاهرة هي تلك التي عاشتها المجاهدة جميلة بوحيرد، التي قتلتها الإدارة السابقة بمعهد الحقوق والعلوم الإدارية ببن عكنون، وهي حيّة ترزق، حيث سميت إحدى القاعات باسم “الشهيدة جميلة بوحيرد”، واستمر الوضع على هذه الحال لمدة زمنية ليست بالقصيرة، قبل أن يتدخل بعض العارفين لدى الإدارة، ويطالبوا بنزع كلمة ” الشهيدة” واستبدالها بـ ”المجاهدة” لأن البطلة لا زالت على قيد الحياة.
-
الإشاعة قتلت أيضا نور الدين يزيد زرهوني، نائب الوزير الأول، بينما كان الرجل يرقد على فراش المرض بفرنسا، حيث أجرى عملية جراحية ناجحة لزرع كلية، ولم يقف الجزائريون على زيف هذا الخبر، إلا بعد عودته لمزاولة عمله كوزير للداخلية والجماعات المحلية، كما طالت الإشاعة وفاة كل من المجاهد علي محساس، ووزير الخارجية الأسبق، الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، في حين تبين أن الرجلين لم يتعرضا سوى لوعكة صحية وقد تجاوزاها.
-
ما يعرف بـ “العلبة السوداء”، الراحل الجنرال العربي بلخير، كان بدوره ضحية لهذا النوع من الاشاعات الكاذبة. الرجل كان قد تعرض لوعكة صحية بينما كان سفيرا فوق العادة بالمغرب في 2006، غير أن هذا الخبر كان يمكن أن يكون صحيحا لو تأخر بأربع سنوات، لأن بلخير لم يفارق الحياة إلا في 28 جانفي 2009 .
-
شخصيات سياسية وتاريخية أخرى، كانت من بين المستهدفين في حياتهم بإشاعات الوفاة، ولعل أبرزهم، كان المدير العام السابق للأمن الوطني، العقيد علي تونسي، وكان ذلك في العام 2007، حيث أشيع تعرضه لمحاولة اغتيال تبين فيما بعد أنها كانت وهمية، والحال كذلك بالنسبة للقيادي في حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، الذي أشيع أيضا أنه كان من بين ضحايا همجية الجيش الإسرائيلي في اعتدائه على قافلة الإغاثة ”أسطول الحرية” لمساعدة قطاع غزة المحاصر.