الجزائر
الأمّيّة‮ ‬الدينية‮ ‬تنتشر‮ ‬بين‮ ‬الجزائريين‮ ‬

‭ ‬طلبة‮ ‬في‮ ‬الشريعة‮ ‬لا‮ ‬يفرّقون‮ ‬بين‮ ‬الصحابة‮ ‬ومُدَّعي‮ ‬النبوّة‮! ‬

الشروق أونلاين
  • 13916
  • 90
ح.م
جامعة الخروبة تمثل أهم معاهد الشريعة في الجزائر

رغم‮ ‬أن‮ ‬وزارة‮ ‬الشؤون‮ ‬الدينية‮ ‬وضعت‮ ‬لجانا‮ ‬متخصصة‮ ‬في‮ ‬الفتوى‮ ‬على‮ ‬مستوى‮ ‬كل‮ ‬المديريات‮ ‬الولائية‮ ‬لتمكين‮ ‬الجزائريين‮ ‬من‮ ‬معرفة‮ ‬دينهم‮ ‬بعيدا‮ ‬عما‮ ‬تعتبره‮ ‬الوزارة‮ “‬شطحات‮” ‬بعض‮ ‬الفضائيات‮ ‬الدينية‭.‬

 

ورغم أن التلفزيون الجزائري يعكف كل أسبوع على تقديم برنامج “فتاوى على الهواء” الذي يجيب عن أسئلة المشاهدين الدينية والعقائدية بطريقة تستوعب كل شرائح المجتمع، بالإضافة إلى الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة التي تيسّر للناس تعلم أمور دينهم، إلا أن الأمية الدينية لا تزال تقبض على رقاب الكثير من الجزائريين، ليس من كبار السن والأميين وحسب، بل المثقفين أيضا الذين تستطيل رقابهم في القضايا الثقافية والفكرية، بينما تتساوى “رؤوسهم” مع الأميين عندما يتعلق الأمر بالمعلوم من الدين بالضرورة ابتداء بأركان الإسلام وانتهاء بعدد ركعات الصلاة، إلى درجة أن الجزائريين صاروا يتداولون قصصا واقعية أقرب ما تكون إلى النكت حول جهل الناس بأساسيات الدين، على غرار العجوز التي سألت برنامج الفتاوى إذا كان يجوز لها أن تصلّي بسورتين من القرآن الكريم فقط هما: “الحمد لله” و”طلع‮ ‬البدر‮ ‬علينا‮”‬‭. ‬

 

‭ ‬رجلٌ‮ ‬طلّق‮ ‬زوجته‮ ‬وبقي‮ ‬يعيش‮ ‬معها‮ !‬

 متى ولد النبي محمد- صلى الله عليه وسلم-؟ ما الفرق بين أركان الإسلام وأركان الإيمان؟.. أسئلة بسيطة لا تحتاج إلى فقيه في الدين ليجيب عنها، إلا أن الكثير من الناس تستعصي عليهم الإجابة معتقدين أن هذه الأمور ليست من “اختصاصهم” وإنما من اختصاص الأئمة والدعاة، والطامة الكبرى أن ما يعرفونه من أساسيات الدين، من صلاة وصوم وأحكام شرعية تتعلق بالزواج والطلاق وغيرهما، يعرفونه مشوّها أو يمارسونه منقوصا، الأمر الذي يجعلهم يرتكبون الحرام على أنه حلال، والحلال على أنه حرام، ويتوارثونه جيلا بعد جيل.

 ولا أدل على ذلك من هذه العينات التي أفادنا بها الشيخ “م. ح” الذي يقول إنه طرحت عليه مسألة في غاية الخطورة تتعلق بـ “رجل طلّق زوجته قبل الدخول، ثم دخل بها دون إعادة العقد الشرعي، ثم طلقها في مناسبتين مختلفتين وبقي يعيش معها حتى حضر مرة درسا بالصدفة، فسمع الإمام يقول من طلق زوجته ثلاثا لا تحلُّ له حتى تنكح زوجا غيره، فخاف مما أقدم عليه، واتصل بمن يُفتيه، ففاجأه بأمر آخر هو أنه يعيش مع هذه المرأة في الحرام، لأن الطلاق الأول يقع بائنا، ولا بد من إعادة العقد، فلم يدر أيحزن على ما جرى له، أم يفرح بالمخرج، لأنه لا‮ ‬يعتبر‮ ‬من‮ ‬الطلقات‮ ‬إلا‮ ‬الأولى‮”.‬

وكثيرا‮ ‬ما‮ ‬تنتشر‮ ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬التجاوزات‮ ‬في‮ ‬القرى‮ ‬والأرياف،‮ ‬أين‮ ‬لا‮ ‬يجد‮ ‬الناس‮ ‬من‮ ‬يبصّرهم‮ ‬بأمور‮ ‬دينهم،‮ ‬فتقع‮ ‬كوارث‮ ‬حقيقية‮ ‬تظل‮ ‬تطارد‮ ‬أصحابها،‮ ‬وتتحمل‮ ‬بشاعتها‮ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة، على غرار ما حدث بإحدى قرى منطقة الوسط قبل سنوات، حيث تزوج رجل من امرأة وابنة أخيها، وقام آخر بالزواج من بنت بنت أخته، بمعنى أنه خالها، كل هذا وقع حسب محدثنا، بمباركة أئمة الشؤون الدينية “لأن العقود الشرعية تمّت بحضورهم وإشرافهم ولا يُعفى الإمام في ذلك، لأن تلك الحوادث وقعت في قرى صغيرة يُفترض أن الإمام يعرف أهلها جميعا”، ولم يعلم الحكم في هاتين القضيتين إلا بعد أن كبر الأولاد! وغير بعيد عن هذه القضايا التي يخلط فيها الناس الحرام بالحلال، تورّط الكثير من الجزائريين قبل سنوات طويلة في زواج الأخوّة من‮ ‬الرضاعة‭.‬

 ورغم أن بعضهم تعرّف على الحكم الشرعي في هذه المسألة الخطيرة، إلا أن هؤلاء الأزواج “الإخوة” رفضوا أن ينفصلوا. واحدة من هذه الزيجات وقعت بولاية سطيف، حيث تزوجت امرأة من ابن خالتها وهو أخوها من الرضاعة، وأنجبت منه ذكورا وإناثا كلهم يعانون من الصمم والبكم، ورغم‮ ‬أن‮ ‬الإمام‮ ‬الذي‮ ‬استشاروه‮ ‬في‮ ‬الأمر‮ ‬أشار‮ ‬عليهم‮ ‬بالطلاق،‮ ‬إلا‮ ‬أنهما‮ ‬ما‮ ‬يزالان‮ ‬حتى‮ ‬اليوم‮ ‬يعيشان‮ ‬تحت‮ ‬سقف‮ ‬واحد‮! ‬

 

‭ ‬طالب‮ ‬جامعي‮ ‬يتيمّم‮ ‬ويتمضمض‮ ‬في‮ ‬نفس‮ ‬الوقت‮!‬

  وإذا كان العوام من الناس لا يُعذرون بجهلهم بالمعلوم من الدين بالضرورة، مع ما يعانونه من قصور في التعلّم أو الاستيعاب، فما بالكم بالمثقفين وحاملي الشهادات العليا الذين ليس لديهم أي مبرر يجعلهم مقطوعي الصلة بالدين، بل إن هناك من طلبة الشريعة من هم ليسوا ملمّين بأحكام الدين ولا يملكون ثقافة إسلامية تؤهلهم لولوج عالم الشريعة الفسيح، ومثال ذلك ما حدّثنا عنه أستاذ بكلية العلوم الإسلامية بجامعة تلمسان رفض أن يذكر اسمه، حيث طرح سؤالا على طلبته يقول: “اُذكر أربعة ممن ادَّعوا النبوّة في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وفي عهد الخلفاء؟ “فكان منهم من أجاب أنه أنس بن مالك ومنهم من ذكر معاوية والزبير ومنهم من ذكر أبا بكر وعمر وعثمان وعليا- رضي الله عنهم أجمعين-! ويذكر الأستاذ الجامعي مثالاً آخر عن طالب رآه في مصلّى إحدى الجامعات يتيمم، فتمضمض واستنثر بحجرة التيمم!

ويرجع الأستاذ بجامعة العلوم الإسلامية في حديثه إلى “الشروق” أسباب تراجع المعارف الدينية لدى فئة المثقفين إلى تكوّن البعض منهم في المدارس الفرنسية في الجزائر، وبعضهم لا يصلي، وبالتالي لا يقصد المساجد التي تقدّم دروسا في الفقه، ومنهم “من قضى نصف عمره في بلدان‮ ‬أجنبية،‮ ‬ولا‮ ‬يستطيع‮ ‬أن‮ ‬يقرأ‮ ‬إلا‮ ‬ما‮ ‬يكتب‮ ‬باللغة‮ ‬الأجنبية‭.‬

 وكثير منهم يعتقد أن تعلّم الدين تخصُّصٌ لا يعنيه، وهو لا يعلم أن ثمة أمورا اعتقادية وعبادية ينبغي على كل مسلم أن يتعلمها وهو ما يسمّيه العلماء الفرض العيني”. ويورد محدثنا مثالا آخر عن أصحاب الشهادات العليا الذين قلّما يحضرون دروسا في المساجد استعلاء على من‮ ‬هم‮ ‬دونهم‮ ‬في‮ ‬المستوى‮ ‬من‮ ‬الناس‮ ‬والذين‮ ‬يتابعون‮ ‬هذه‮ ‬الدروس،‮ ‬أو‮ ‬لأن‮ ‬مستواهم‮ ‬يفوق‮ ‬مستوى‮ ‬الإمام‮ ‬الذي‮ “‬يكسّر‮ ‬اللغة‮ ‬العربية‮ ‬تكسيرا‮”. ‬

‭ ‬

‭ ‬إقصاء‮ ‬التربية‮ ‬الإسلامية‮ ‬وتراجع‮ ‬دور‮ ‬الأئمة‮ ‬

 ويقول الشيخ “م. ح” في رده عن سؤال “الشروق” حول أسباب الأمّيّة الدينية في الجزائر: “أنا في تقديري، وتقدير كثير من الدعاة الذين أعرفهم من مختلف جهات الوطن، أن الوضع كارثي، لأن الذي نسمّيه في المصطلح الشرعي “المعلوم من الدين بالضرورة” هو أشياء يتناقلها المسلمون جيلا عن جيل لكثرة تداولها، وهي أساسيات الدين، مثل معنى لا إله إلا الله؟ أكثر الناس لا يعرف أن معناها الصحيح أنه لا يستحقُّ العبادة إلا الله، عدد الصلوات وأسماؤها وعدد ركعاتها وما الذي يجهر فيه ولا يسر؟ سؤال يعجز عن الإجابة عنه طلبة مقبلون على شهادة البكالوريا‮”. ‬

ويضيف الشيخ: “عندما شاع مؤخرا خبر القيامة، كثير من أبناء مدارسنا تملّكهم الرعب وصدّقوا الخرافة رغم أن من أساسيات الدين عند المسلمين أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نفى عن نفسه العلم بها”.

وحمّل الشيخ “ح. م” مسؤولية انتشار الأمية الدينية بين الجزائريين إلى “جهات كثيرة، أولها المدرسة التي أقصت مادة التربية الإسلامية تماما”. وتأتي الأسرة في مقدّمة الأسباب التي ساهمت في تفشي الأمية الدينية، حيث “افتقد هذا المحيط المعرفة اللازمة بالضرورات الشرعية”، من الأسباب أيضا غياب دور المسجد وتدني دور الأئمة الذين يكتفون بإلقاء دروس الجمعة فقط، دون الالتفات إلى الدروس الفقهية والتربوية، وكل ذلك بعلم وزارة الشؤون الدينية التي لم تبادر إلى تشجيع الأئمة على إلقاء هذه الدروس. ويلقي الشيخ “م. ح” باللوم على وسائل الإعلام‮ ‬حتى‮ ‬الدينية‮ ‬منها،‮ ‬التي‮ ‬تناقش‮ ‬في‮ ‬الغالب‮ ‬قضايا‮ ‬فكرية‮ ‬فلسفية‮ ‬دقيقة‮ ‬لا‮ ‬يحتاجها‮ ‬أكثر‮ ‬الناس،‮ ‬أو‮ ‬تناقش‮ ‬الصراعات‮ ‬بين‮ ‬التيارات‮ ‬الإسلامية‮ ‬والمدارس‮ ‬الفقهية‮. ‬

 

مقالات ذات صلة