”أناشد الدولة مساعدتي على دخول مصحة.. زوجتي لا تستطيع وضعي على الكرسي”
تركناه ممددا على السرير كما وجدناه لحظة الدخول، وأشرق وجهه كما لم يحدث من قبل حينما بدأت زوجته الفاضلة الكاتبة الصحفية والرسامة والكوميدية المشاكسة زينب التبسي في تقديمي لزوجها “المشلول” بعيدا عن الجزائر التي خدمها كمناضل وكمثقف إعلامي وكسفير متميز لعدة سنوات، رفقة الطيب ولد عروسي المسؤول السابق عن مكتبة معهد العالم العربي والطبيب جمال ابن عمه وإبراهيم حاسي المدير الجديد للمركز الثقافي الجزائري في باريس والسفير السابق في بيروت الذي سبقنا إلى بيت الميلي.
عاشت “الشروق” أكثر من ثلاث ساعات شكلت سعادة غير مسبوقة في مسار اليوميات التراجيدية لمريض “سجين” توقف عن النظر إلى النافذة والسقف كما يفعل على مدار النهار والليل منذ أكثر من عام بعد أن اصيب بشلل لم يعد يسمح له بالوقوف والمشي.
إنه محمد الميلي، المدير الأول لجريدة الشعب الذي دفع ثمن تعسف الراحل بن بلة -حسب زوجته زينب- والديبلوماسي الذي بقي متألقا يشرف الجزائر حتى بعد أن فرض عليه المرض البقاء على السرير حتى إشعار جديد. الرجل الكبير المؤمن بقدر الله، لم يرد على أسئلة “الشروق” إلا بعد أن عبر بلغة الصمت الوظيفي والعيون الشفافة والقلب المتألم والوجدان المنكسر والإبتسامة الديبلوماسية خلال دقيقة أو أقل عن تحسره لمصير مازالت الدولة التي شرفها عربيا ودوليا غير معنية به، وكأنه لم يكن ذلك الرجل المنحدر من عائلة مبارك الميلي، أحد أعمدة جمعية العلماء المسلمين، وذلك المثقف والكاتب الكبير الذي عاش من أجل الجزائر على حد قول زوجته زينب ابنة العربي التبسي، العميد الآخر الذي صنع ملحمة الإصلاح والتغيير وحارب الشعوذة والتزمت.
بعد أن عبر عن سعادته مشاركا زوجته وحورية صديقتها منذ نصف قرن لحظات فرح نتجت عن زيارة ضيوف لم يكن المريض الميلي يتوقع تجاوبهم مع المصير الذي آل إليه، أفصح في الأخير عن الحزن الكامن في أعماقه، قائلا مستغيثا ومناشدا الدولة مساعدته على دخول مصحة في أقرب الآجال حتى يظفر بعناية طبية تسمح له باستنشاق الهواء ومعاشرة مرضى آخرين يتبادل معهم كلاما ونظرات تنسيه ولو لساعات الضائقة النفسية والبدنية التي ألمت به مباشرة إثر اختفاء ابنه أنور في ظروف غامضة عام 2003، وهي الضائقة التي زادت من حدتها نتيجة مرض زوجته زينب بأمراض القلب والربو والسكر ي والسرطان، وشفيت الزوجة العجيبة والجريئة المشاكسة من المرض الخبيث بفضل الله الذي كان أقوى من دائها القبيح على حد تعبير طبيبها الفرنسي.
الزوج المشلول والمصاب جزئيا بمرض “الزهايمر” أيضا، ضحك لتعبير زوجته التي تسليه ـ باعتبارها ممثلة فكاهية موهوبة لم تجد من يستغلها ـ مازال ينتظر تجاوب الدولة مع طلبه الذي نقلته زينب بحضور زوجها قبل سنة إلى المسؤول المكلف بوزارة الصحة، وهو المسؤول الذي قال لها على حد تعبيرها: “إنك معقدة… تريدين أن تتكفل الدولة بعلاج زوجك في الخارج في الوقت الذي تتوفر فيه الجزائر على كل شيء في مجال العلاج الطبي”، أجابته زينب بقولها “للشروق”: “إذا كانت الجزائر تتوفر على كل شيء، لماذا يلجأ المسؤولون الكبار إلى باريس للعلاج”؟ وأضافت: “الميلي لم يخطف ولم يسرق، وعمله كسفير مكنه من شراء بيت ومن الشرب والأكل واللبس”.
زينب التي استنجدت بصديقتها حورية لمساعدتها على الإعتناء بزوجها وعلى استقبال الممرضة التي دخلت علينا ونحن نتجاذب أطراف الحديث مع زوجها، ناشدت من جديد الدولة الجزائرية للتجاوب مع طلب زوجها قبل مغادرتنا بيتها، الأمر الذي تأثر له السيد إبراهيم حاسي، مدير المركز الثقافي الجزائري.
المدير نفسه الذي غادر بيت الميلي قبلنا لسبب شخصي قاهر، اتصل بزينب من بيته بعد أقل من ساعتين وأخبرها باتصاله الأول بجهة معنية بمشكلة زوجها.
كاتب هذه السطور الذي بقي رفقة زوجها المريض في الوقت الذي كانت ترد فيه زينب على مكالمة السيد حاسي، عاد بدوره إلى بيته سعيدا، لأنه ترك زينب سعيدة أيضا، لكن كطفلة يوم العيد، وستكون أسعد لو يتصل عبد القادر بن صالح بزوجها مثل أحمد طالب الإبراهيمي، خاصة وأنه على علم بمأساة زوجها على حد تعبيرها.