منوعات
الشروق تزور الدبلوماسي‮ ‬محمد الميلي‮ "‬مشلولا‮" ‬في‮ ‬باريس

‮”‬أناشد الدولة مساعدتي‮ ‬على دخول مصحة‮.. ‬زوجتي‮ ‬لا تستطيع وضعي‮ ‬على الكرسي‮”‬

الشروق أونلاين
  • 15600
  • 26
الشروق
الميلي يرقد بمنزله

تركناه ممددا على السرير كما وجدناه لحظة الدخول،‮ ‬وأشرق وجهه كما لم‮ ‬يحدث من قبل حينما بدأت زوجته الفاضلة الكاتبة الصحفية والرسامة والكوميدية المشاكسة زينب التبسي‮ ‬في‮ ‬تقديمي‮ ‬لزوجها‮ “‬المشلول‮” ‬بعيدا عن الجزائر التي‮ ‬خدمها كمناضل وكمثقف إعلامي‮ ‬وكسفير متميز لعدة سنوات،‮ ‬رفقة الطيب ولد عروسي‮ ‬المسؤول السابق عن مكتبة معهد العالم العربي‮ ‬والطبيب جمال ابن عمه وإبراهيم حاسي‮ ‬المدير الجديد للمركز الثقافي‮ ‬الجزائري‮ ‬في‮ ‬باريس والسفير السابق في‮ ‬بيروت الذي‮ ‬سبقنا إلى‭ ‬بيت الميلي‮.‬

عاشت‮ “‬الشروق‮” ‬أكثر من ثلاث ساعات شكلت سعادة‮ ‬غير مسبوقة في‮ ‬مسار اليوميات التراجيدية لمريض‮ “‬سجين‮” ‬توقف عن النظر إلى‭ ‬النافذة والسقف كما‮ ‬يفعل على مدار النهار والليل منذ أكثر من عام بعد أن اصيب بشلل لم‮ ‬يعد‮ ‬يسمح له بالوقوف والمشي‮.‬

إنه محمد الميلي،‮ ‬المدير الأول لجريدة الشعب الذي‮ ‬دفع ثمن تعسف الراحل بن بلة‮ ‬‭-‬حسب زوجته زينب‮- ‬والديبلوماسي‮ ‬الذي‮ ‬بقي‮ ‬متألقا‮ ‬يشرف الجزائر حتى بعد أن فرض عليه المرض البقاء على السرير حتى إشعار جديد‮. ‬الرجل الكبير المؤمن بقدر الله،‮ ‬لم‮ ‬يرد على أسئلة‮ “‬الشروق‮” ‬إلا بعد أن عبر بلغة الصمت الوظيفي‮ ‬والعيون الشفافة والقلب المتألم والوجدان المنكسر والإبتسامة الديبلوماسية خلال دقيقة أو أقل عن تحسره لمصير مازالت الدولة التي‮ ‬شرفها عربيا ودوليا‮ ‬غير معنية به،‮ ‬وكأنه لم‮ ‬يكن ذلك الرجل المنحدر من عائلة مبارك الميلي،‮ ‬أحد أعمدة جمعية العلماء المسلمين،‮ ‬وذلك المثقف والكاتب الكبير الذي‮ ‬عاش من أجل الجزائر على حد قول زوجته زينب ابنة العربي‮ ‬التبسي،‮ ‬العميد الآخر الذي‮ ‬صنع ملحمة الإصلاح والتغيير وحارب الشعوذة والتزمت‮. ‬

بعد أن عبر عن سعادته مشاركا زوجته وحورية صديقتها منذ نصف قرن لحظات فرح نتجت عن زيارة ضيوف لم‮ ‬يكن المريض الميلي‮ ‬يتوقع تجاوبهم مع المصير الذي‮ ‬آل إليه،‮ ‬أفصح في‮ ‬الأخير عن الحزن الكامن في‮ ‬أعماقه،‮ ‬قائلا مستغيثا ومناشدا الدولة مساعدته على دخول مصحة في‮ ‬أقرب الآجال حتى‮ ‬يظفر بعناية طبية تسمح له باستنشاق الهواء ومعاشرة مرضى آخرين‮ ‬يتبادل معهم كلاما ونظرات تنسيه ولو لساعات الضائقة النفسية والبدنية التي‮ ‬ألمت به مباشرة إثر اختفاء ابنه أنور في‮ ‬ظروف‮ ‬غامضة عام‮ ‬2003،‮ ‬وهي‮ ‬الضائقة التي‮ ‬زادت من حدتها نتيجة مرض زوجته زينب بأمراض القلب والربو والسكر‮ ‬ي‮ ‬والسرطان،‮ ‬وشفيت الزوجة العجيبة والجريئة المشاكسة من المرض الخبيث بفضل الله الذي‮ ‬كان أقوى من دائها القبيح على حد تعبير طبيبها الفرنسي‮.‬

الزوج المشلول والمصاب جزئيا بمرض‮ “‬الزهايمر‮” ‬أيضا،‮ ‬ضحك لتعبير زوجته التي‮ ‬تسليه ـ باعتبارها ممثلة فكاهية موهوبة لم تجد من‮ ‬يستغلها ـ مازال‮ ‬ينتظر تجاوب الدولة مع طلبه الذي‮ ‬نقلته زينب بحضور زوجها قبل سنة إلى المسؤول المكلف بوزارة الصحة،‮ ‬وهو المسؤول الذي‮ ‬قال لها على حد تعبيرها‮: “‬إنك معقدة‭…‬‮ ‬تريدين أن تتكفل الدولة بعلاج زوجك في‮ ‬الخارج في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تتوفر فيه الجزائر على كل شيء في‮ ‬مجال العلاج الطبي‮”‬،‮ ‬أجابته زينب بقولها‮ “‬للشروق‮”: “‬إذا كانت الجزائر تتوفر على كل شيء،‮ ‬لماذا‮ ‬يلجأ المسؤولون الكبار إلى باريس للعلاج”؟ وأضافت‮: “‬الميلي‮ ‬لم‮ ‬يخطف ولم‮ ‬يسرق،‮ ‬وعمله كسفير مكنه من شراء بيت ومن الشرب والأكل واللبس‮”.‬

زينب التي‮ ‬استنجدت بصديقتها حورية لمساعدتها على الإعتناء بزوجها وعلى استقبال الممرضة التي‮ ‬دخلت علينا ونحن نتجاذب أطراف الحديث مع زوجها،‮ ‬ناشدت من جديد الدولة الجزائرية للتجاوب مع طلب زوجها قبل مغادرتنا بيتها،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬تأثر له السيد إبراهيم حاسي،‮ ‬مدير المركز الثقافي‮ ‬الجزائري‮.‬

المدير نفسه الذي‮ ‬غادر بيت الميلي‮ ‬قبلنا لسبب شخصي‮ ‬قاهر،‮ ‬اتصل بزينب من بيته بعد أقل من ساعتين وأخبرها باتصاله الأول بجهة معنية بمشكلة زوجها‭. ‬

كاتب هذه السطور الذي‮ ‬بقي‮ ‬رفقة زوجها المريض في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت ترد فيه زينب على مكالمة السيد حاسي،‮ ‬عاد بدوره إلى بيته سعيدا،‮ ‬لأنه ترك زينب سعيدة أيضا،‮ ‬لكن كطفلة‮ ‬يوم العيد،‮ ‬وستكون أسعد لو‮ ‬يتصل عبد القادر بن صالح بزوجها مثل أحمد طالب الإبراهيمي،‮ ‬خاصة وأنه على علم بمأساة زوجها على حد تعبيرها‮. ‬

مقالات ذات صلة