”الرحلة” التي أجهضت في القاهرة
في مارس 2009 اتصل بي يطلب مساعدتي في إيجاد دار نشر تكون لديها الجرأة في طبع كتابه “الرحلة.. مذكرات آدمي”، بعدما ملّ من البحث في كل أنحاء العالم العربي، وخاصة أنه لم يفلح في العثور على من يقبل نشر وتوزيع مؤلفاته ليس بسبب قيمتها بل خوفا من تداعيات ومتابعات. وكنت حينها على تواصل مع دار “أكتب للنشر والتوزيع” بالقاهرة التي وقعت معها عقد نشر كتابي “طوفان الفساد وزحف بن لادن في الجزائر” الذي صودر من قبل أمن الدولة المصري، ولم أعرف مصيره حتى ما بعد سقوط النظام، بالرغم من أنني تلقيت معلومات من بعض الطلبة الجزائريين عن رؤيتهم له يباع في السوق السوداء، وأرصفة شارع طلعت حرب بالعاصمة المصرية. فحدثته بشأنها ليتساءل عن مدى جرأتها في نشر مؤلفاته التي تتعرض للمطاردة في العالم العربي، وخاصة نظام حسني مبارك الذي يكفر بالمرزوقي ومشتقاته.
- نصحته بأن يجرّب ولن يخسر شيئا، وخاصة أن الدار حاولت نشر كتابي المثير الذي به معلومات خطيرة عن الفساد والإرهاب وحتى أسماء شخصيات أثبتت الأحداث لاحقا تورّطها في كثير من القضايا. ربطت له الاتصال مع مدير الدار السيّد يحيى هاشم ومن ثمّة بدأت الأمور تسير بينهما. لم أكن مطمئنا بسبب مطاردة ومصادرة كتابي، فبعد فترة سألت الدكتور عن مصير مؤلفه فأعلمني أنه في طريقه للمكتبات حسب مراسلات وتأكيدات الناشر. فرحت كثيرا كما أشفقت على ما أقرأه في صحافة بن علي من أن الرجل يتلقّى تموينا ودعما كبيرا في الخارج، وهو الذي لم يجد ناشرا يطبع ويوزع له مؤلفاته غير منشورات أوراب ودار الأهالي بالتعاون مع اللجنة العربية لحقوق الإنسان بباريس.
في مساء 28 / 02 / 2010 أتفاجأ بمراسلة منه عبر البريد الإلكتروني يشكو فيها بغضب جامح مما يتعرض له من قبل دار أكتب وصاحبها الذي صار يتجاهل الرسائل، ولم يظهر شيئا عن مصير كتاب “الرحلة”، بالرغم من أن الدكتور منصف المرزوقي دفع حصته المالية عدّا ونقدا بالعملة الصعبة منذ أشهر، وقد اعتبره المرزوقي احتيالا. وصادفت تلك الليلة أنني أستعدّ للسفر إلى الدوحة للمشاركة في حلقة “الاتجاه المعاكس” التي بثت في 03 مارس 2010 وتناولت موضوع أجهزة الاستخبارات العربية وناظرت حينها اللواء المصري السابق الدكتور نبيل لوقا البباوي. المهم راسلت فورا الناشر ومسؤولة التسويق وهي الروائية المصرية وفاء شهاب الدين، لأستفسر عن الأمر، بل طلبت منهما وضع حدّ نهائي لما يجري وإلا سنخوض حملة إعلامية ضدهم وضد الجهات التي تقف ربما وراء تعطيل نشر الكتاب، وخاصة أنني كنت الواسطة التي أوصلت إليهم مفكرا وحقوقيا بوزن الدكتور المرزوقي. وقد تلقيت الردّ فوريا ووعودا لحل الأزمة بنشر الكتاب في أيام قليلة وبتبريرات ليس المجال لبسطها.
هاتفت الدكتور المرزوقي فأخبرني أنهم اتصلوا به وإطمأنّ حينها. وعلى ما يبدو أن الأمور انتهت بينهما لاحقا بعدم نشر الكتاب، لأسباب تجد دار النشر تتحفظ في كشفها غالبا، إما خوفا من جهات عليا أو لأسباب أخرى نجهلها، وقد رأى النور لاحقا كعادته عن دار الأهالي واللجنة العربية لحقوق الإنسان.
لقد تواصلت معه كثيرا على غرار أصدقائي التونسيين من الحقوقيين والسياسيين والصحفيين والمثقفين، أثناء الانتفاضة التونسية التي شغفت بتفاصيلها لحظة بلحظة. وحتى مساء يوم هروب بن علي جمعتني محادثة مع الدكتور المرزوقي عبر الهاتف ووجدته سعيدا بنهاية الديكتاتورية، وإن كان أظهر بعض التخوّف على مصير البلاد في تلك اللحظة الحاسمة والتاريخية، إلا أنه ظلّ شديد الثقة في الشعب التونسي الذي طارد بن علي ولا يمكن بعد اليوم السيطرة عليه أو توجيهه كما جاء على لسان الدكتور المرزوقي صاحب كتاب “عن أية ديمقراطية يتحدثون” و”هل نحن أهل للديمقراطية” و”ديكتاتوريون قيد التأجيل” و”الانسان الحرام” وغيرها من المؤلفات القيّمة. بل أنه قرر العودة لبلاده فوريا، نصحته بالتريث حتى تتضح الأمور وتنجلي، إلا أنه صمّم على ذلك ولو كان الثمن هو روحه التي بين جنبيه، وهذا ما حدث بالفعل في 18 جانفي 2010 . وكنت حينها أول من نشر خبر عودته بالتفاصيل الدقيقة التي تناولت رقم الرحلة وعدد وهوية المرافقين له، على جريدة ”الشروق” قبل الموعد بثلاثة أيام.
مستضعفون أسقطوا الإستبداد
لقد ارتأيت أن أشير إلى هذه المحطّات القليلة جدا من دفتر كبير، واحتفظت بأخرى لا تحصى ولا تعدّ من ذكريات خاصّة جمعتني بالدكتور منصف المرزوقي، ذلك الرجل الذي ظلّ نظام بن علي يطارده ويعمل على تشويهه، بل إنه يقرصن حتى مدوّنته المتواضعة على الأنترنت، وطالما حدثني بحزن عميق على تدمير ذلك الجسر البسيط الذي يتواصل به مع قرائه، وهو الذي قال لي: “بقيت رجل القلم أكثر مني رجل الصورة”، بل أضاف أنه يفضل “ألف قارئ على مليون مشاهد”. إلا أن ذلك هو ثمرة النضال الحقيقي والمبدئي سواء اتفقنا مع هذا أو اختلفنا مع ذاك. وبفضل الله ثم إرادة الشعب التونسي الذي تحدّى الديكتاتورية والجبروت، صار بن علي مطاردا لا يذكره أحد بأدنى خير حتى من المقربين منه، في حين رفع الشعب التونسي كل من المرزوقي والغنوشي وغيرهما إلى درجة كبيرة، بعدما استضعفوا في الأرض، ليدخل صاحبي قصر قرطاج رئيسا للبلاد، أما حركة النهضة التي عرفت الكثير من رجالها في الخارج، وسمعت ما يندى له الجبين من تعذيب مناضليها في الداخل، بدورها صارت الحزب الحاكم ولم يصدق الشعب التونسي لا الإعلام المأجور ولا خضع لأحكام القضاء المسيّس والمرتشي.
وها قد جاء اليوم الذي رأيت فيه الدكتور منصف المرزوقي رئيسا للجمهورية، وحمادي الجبالي الذي قضى 15 عاما في السجون بينها 10 سنوات في السجن الإنفرادي، لا يمكن أن يصبر عليها البشر، إلا من كانوا فوق العادة بسبب يقينهم برسالتهم، يتزعم الحكومة الأولى فيما بعد ثورة الياسمين. أما مصطفى بن جعفر الذي بدوره عارض النظام السابق وعانى من التضييق، يصير بدوره الرجل الأول في المجلس التأسيسي والثالث في الدولة.
نحن في لحظة تأريخ لمحطات لا يجب أن تنسى، ولسنا بصدد كيل المديح والإطراء للرئيس التونسي الجديد، والذي لو نراه يخطئ سنكون أول من يتصدّى له بحزم وعزم، فهو المناضل الجسور الذي وضع لبنات صلبة في فقه مقارعة الإستبداد، ونتمنى أن ينجح بامتياز في تطبيقها على أرض الواقع، ويتمكن من الموازنة بين أفكاره وما تفرضه المسؤولية من إلتزامات وتحفظات نتفهمها كثيرا. ولا يمكن أن نسمح لحقوقي أن يخطئ في حقوق الإنسان ولا نغفر لمن قارع الديكتاتورية أن يظهر ذرّة من وباء السلاطين والحكام والملوك العرب.
وفي الختام، لقد كان المرزوقي “عميلا” والغنوشي “خائنا” في نظر صحافة النظام المخلوع. وكان الجبالي وغيره من المناضلين الشرفاء مجرّد “مجرمين” يتعذبون في السجون حسب قضاء النظام الهارب. وكان الحجاب رمز “العبودية” و”التخلف” ويحارب في الشوارع على رؤوس الأشهاد. وهاهو المرزوقي رئيس الجمهورية والغنوشي زعيم الحزب الحاكم والجبالي رئيس الحكومة والحجاب تحت قبة المجلس التأسيسي يتابعه كل العالم. والمنفيون والمساجين في برلمان الدولة بعدما كانوا لا يملكون حتى أوراق هويتهم. لم يصدق الشعب لا بورڤيبة ولا بن علي ولا أبواقهم، وقرر مصيره بمشهد لن ينساه التاريخ. فلا تثقوا في السلطة أيها العرب فكل ما يقولونه مجرد إدعاءات كاذبة يراد منها الحفاظ على المناصب وليس البلاد، وسيظهر عارها وشنارها لو تتحرر الشعوب من قبضتهم. هنيئا لتونس الخضراء وبالتوفيق لصديقنا منصف المرزوقي في مشواره المحفوف بالأشواك والمتاعب.