”حجارة سجّيل” تقلب المعادلة
هل سيخلط العدوان المتهور على غزة أوراق المنطقة، ويخلق موازين قوى مغايرة لتلك التي أنتجت “أعمدة السحاب”، سؤال يفرض نفسه بعد 5 أيام من العدوان، بفعل نوعية رد المقاومة ودفع قوى فاعلة إلى الانخراط في محور الممناعة المستهدف من كل ما يحدث في الجوار، بما فيها العدوان على غزة، باعتباره عملا مكملا لتأزيم الوضع في سوريا، من أجل قطع أذرع إيران وتحييدها في مواجهة إيران المؤجلة إلى حين..
فظروف وملابسات العدوان وافتقاره إلى مبررات مقنعة، بدأت تؤسس لتغيير المعادلة الجيوسياسية في المنطقة، وعلى رأسها الأمن القومي والتفوق العسكري الإسرائيلي، واستثمارها في انشغال الدول العربية ببؤر التوتر المشتعلة فيها، وآخرها الجزائر التي ولّت وجهها باتجاه أقصى الجنوب، ولم يبق من الدول المستقرة، ولو مؤقتا، سوى قطر وسلطنة عمان، مع تشديد الحصار على إيران، حيث راهنت على كسر الحلقة الأضعف في طوق المقاومة، وربما إخضاع غزة للاحتلال إلى أجل غير محدد في حال تنفيذ الهجوم البري، في سياق تلويح إسرائيل بالتراجع عن اتفاقية أوسلو إذا ما نفذت السلطة مطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمميا.
كما أن توقيت العدوان خرق هدنة بوساطة مصرية، والتي اعتبرت لاحقا خديعة لإخراج قيادات حماس السياسية والعسكرية، وتزامن مع طرح مطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومع ذكرى إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر، إلى جانب ارتباط العدوان بحسابات الانتخابات المقبلة في إسرئيل، إضافة إلى إحياء السنة الهجرية الجديدة.
من جهة أخرى، أدت وقائع العدوان والرد النوعي للمقاومة في غزة، رغم صغر مجال تحركها ومحاصرتها المتشددة برا وبحرا وجوا منذ 5 سنوات، إلى كسر معجزة الأمن القومي الإسرائيلي، وجدوى “القبة الحديدية”، باستهداف القدس وتل أبيب، واستعمال صواريخ غراد بطريقة متخفية، وصواريخ متطورة من إنتاج محلي، وهو ما يعني تطبيق هندسة عسكرية عالية التقنية.
ويبدو أن موقف مصر، من العدوان الذي يتجاوز دورها التقليدي كوسيط، أهم تطور سيجبر إسرائيل على مراجعة حساباتها، بل وأعلنت نفسها طرفا في الأزمة، في حين دخلت تركيا بدورها بقوة في المشهد، معلنة ميلاد جبهة إخوانية وتحالف بين القاهرة وأنقرة، ما فتئ يتأسس كمحور جيوسياسي ينازع الهيمنة الأمريكية.
ومن شأن هذا التموقع المصري التركي، وكذا القطري، أن يعزز مواقع قوى المقاومة والممانعة، ويضفي المشروعية على أداء محور إيران سوريا وحزب الله، وانخراط العراق شيئا فشيئا فيه، وبلغ حد إثارة مطلب مراجعة اتفاقيات السلام مع إسرائيل ومختلف عمليات التسوية.
كل هذه الاعتبارات وغيرها تفقد إسرائيل تعاطف الرأي العام الدولي، وحتى تأييد العواصم الغربية، خاصة بعد التخبط في التصريحات الرسمية التي تتهم المقاومة بالإرهاب وتضفي الشرعية على السلطة الفلسطينية، في حين تهديد بالإطاحة بمحمود عباس، ورفض طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمميا، وها هو وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، يحذّر إسرائيل، أمس فقط، من “أن شن عملية بريّة على غزة قد يكلفها خسارة جانب كبير من الدعم الدولي الذي تتلقاه”، كما أنها “تهدد بتمديد النزاع”، في إشارة إلى اعترافه بقوة ونوعية المقاومة.