”داعش” أظهرت ضعف الخطاب المسجدي في الوطن العربي
يتوقف الباحث والدكتور زعيم خنشلاوي في هذا الحوار عند علاقة التصوف بما يعيشه العالم العربي الإسلامي اليوم والأفق الذي يمنحه التصوف لتجاوز مطبات الخطاب الفقهي وبعض الاتجاهات الدينية التي عملت على إذكاء نار الفرقة والفتنة بين المسلمين، وكذا بعض الاتهامات التي طالت الزوايا الصوفية، خاصة فيما تعلق بعلاقتها بالسياسي والاستعمار الفرنسي.
إلى أي مدى يمكن أن يشكل الخطاب الصوفي أفقا لمعارضة الخطاب الفقهي، خاصة في ظل ما يشهده العالم العربي اليوم من صعود التيارات المتطرفة؟
الخطاب الصوفي ليس بخطاب معارضة وإنما هو خطاب مصالحة يسعى لإصلاح ذات البين ورصّ صفوف المسلمين والناس أجمعين على أساس قناعته بالأخوة الإنسانية والتي تشكل الأمة المحمدية حلقة من حلقاتها، لكن في ظل انهيار الخطاب الفقهي واختراق الخطاب المسجدي من طرف دعاة الفرقة والعنف والكراهية لسوف يشهد الخطاب الصوفي في السنوات القادمة تألقا منقطع النظير، كون التصوف هو الترياق الأخير الذي ستعالج به جراح الإسلام، والأمل الوحيد لخلاص المسلمين بعد سلسلة الإخفاقات الفكرية والانتحارات الجماعية والحروب الطائفية والثورات الطبقية والنعرات العرقية التي أودت بهم لجهنم في الدنيا قبل الآخرة.
أُتهم الخطاب الصوفي دائما بكونه خطاب “زندقة” وإساءة للنص الديني، كباحث في هذا الاتجاه، كيف ترد؟
الصوفية اتهموا بجميع التهم والأباطيل وقدموا لذلك قوافل من الشهداء على طريق الإيمان باستثناء تهمة واحدة لم يتهموا بها على مدار التاريخ وهي تهمة إراقة دماء المسلمين وهذا يكفيهم في صحيفة أعمالهم لتبرئتهم أمام محكمة التاريخ.
هناك من يتهم اليوم الزوايا والطرق الصوفية بسعيها للاستحواذ على الساحة السياسية وحل محل الأحزاب السياسية؟
الزوايا ليست بحاجة لاستجداء المناصب ولا ترغب أصلا في العمل السياسي، لأن هذا يتنافى مع أخلاقيات التصوف الذي يدعو للزهد في الدنيا والتركيز على التربية الروحية وإصلاح النفس، على النقيض من أبجديات العمل السياسي الذي يقوم على فن المراوغة والكيد والبهتان لبلوغ مآرب شخصية وسلطة وهمية على الصوفي اجتنابها لنيل رضا الله والنجاة بنفسه من الوقوع في إذاية الخلق والتعدي على حقوق الإنسانية. فهو يرى في العمل السياسي ـ خصوصا إذا كان ذو صبغة دينية ـ تعدّ صريح على مقام النبوة الذي لا يحق لأحد مهما كان التطاول عليه ونصب نفسه وصيا على المسلمين، فضلا عن تزكيتها وترجيحها والدعوة لها بالمال والجاه ما من شأنه أن يودي بصاحبها إلى عبادة نفسه من دون الله أو إشراكها في ملكه وتدبيره. هذا لا يعني أن الزوايا لا تأبه بالعمل السياسي أو أنها تعيش بمعزل عن المجتمع، فمفهوم المواطنة من أقدس المهام والفرائض لدى الفرد الصوفي، فهو دوما حريص على الخدمة: خدمة الشعب، خدمة العلَم وخدمة الوطن.
شيخ المؤرخين المرحوم أبو القاسم سعد الله يقسم الزوايا إلى قسمين: الزوايا العثمانية وزوايا العهد الفرنسي التي تباينت في مواقفها من الاستعمار، ما رأيك؟
لا وجود لزوايا عثمانية وأخرى فرنسية، هناك زوايا جزائرية جاهدت على مدار أربعة عشر قرنا دون انقطاع فعاصرت مختلف النظم والسلالات الحاكمة، وذهب الحكام وبقي الصوفية. فضلا عن أن الزوايا لم تظهر في الجزائر مع وصول الأتراك حتى نؤرخ لها بهم ولم تختف بذهاب الفرنسيين حتى نربط مصيرها بمصيرهم، بل هي متجذرة في عمق التاريخ القومي الجزائري منذ زمن الرباطات التي كانت تحرس سواحل المسلمين وحدودهم. فالزوايا قلاع الإيمان، فما من جزائري إلا وتجده منتسبا لزاوية أو لطريقة ما سلوكا أو وراثة.
”داعش” برأيك، هل هي ظاهرة سياسية، أم ظاهرة دينية؟
لا هي بظاهرة سياسية ولا هي دينية، بل هي ظاهرة أخلاقية تضع المسلم على محك الضمير الإنساني كي يسائل نفسه عن كيفية تعامله مع إعلان القرآن العظيم: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. في عالم صارت فيه الكلمة للأشرس والأفظع وانعدمت فيه الرحمة ورفعت السكينة، ماذا عسانا أن نقول أو نفعل سوى الاعتصام بحبل الله أمام ظاهرة ـ نحن عنها جميعا مسؤولون.