”عين العرب” وحَوَل أعيان العرب
إذا كنت تصدق أن الطيران الحربي لحلف عسكري من ستين دولة، تمتلك ثلاثة أرباع الترسانة الجوية لجيوش العالم، لا تستطيع تعطيل زحف بضع مئات من مقاتلي “داعش” على قرية كردية صغيرة مثل “عين العرب” فعليك أن تصدق ما قاله قائد الأركان الأمريكي، حين زعم أن الحرب على “داعش” قد تستغرق 30 سنة.
لقد كان المشهد سخيفا حقا طوال الأسبوع، لإعلام عالمي يحاصر مدينة “عين العرب” الكردية بحثا عن عمود دخان متصاعد، أو عن صوت انفجار قد يسوقه للمشاهد كشاهد على حقيقة الحرب الكونية على “داعش”، أو يرصد بداية تحرك فيلق مدرعات نشره التركي أردوغان حول المدينة، وقد اختفت من الفضائيات العالمية ما عودتنا عليه من صور حية ينقلها “النشطاء” بسخاء من قلب المعارك في بنغازي وحمص وحلب، وكأن أهل “عين العرب” ليسوا موصولين بحضارة الانترنت.
ولأول مرة أسجل حيرة حقيقية عند كبار المحللين السياسيين المعتمدين لدى القنوات الغربية، حيرة لم تحررهم بعد لدرجة الشروع في طرح الأسئلة التي ينبغي طرحها على حكوماتهم حيال هذه الحرب الغريبة، التي ليس لها نظير في التاريخ الحديث.
فمن الواضح أن التحالف لا يريد القضاء على “داعش” التي شهد شاهد من أهلها (نائب الرئيس بايدن) أنها في الحد الأدنى صنيعة لحلفاء أمريكا، وأن إدارة العمليات تعمل منذ البداية لغاية واحدة، وهي التضخيم المصطنع لقوة “داعش” والتسويق لحالة من العجز الظاهر للدول الإقليمية في التصدي لـها تمهيدا لقبول الجميع بالأمر الواقع، وهو اقتطاع نصف العراق ونصف سورية واخضاعه لسلطة “داعش”: أي قرابة عشرة ملايين أو أكثر من سكان الأقاليم السنية الممتدة شرق الفرات، سوف تحول إلى جغرافية منكوبة مثل الصومال، يحرم أهلها من التعليم ومن الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية والمعيشية، ليحملوا على واحد من أمرين: إما الالتحاق بصفوف “داعش” أو النزوح ليتحقق تفريغ المنطقة من سكانها.
وليس من الصدفة أن يصرح ذلك الجنرال الأمريكي: “أن الحرب سوف تستغرق 30 سنة”، أي عمر جيل كامل، تستكمل خلاله أفغنة وصوملة أبرز المناطق السنية، وتوضع جميع دول الجوار تحت التهديد والابتزاز، في انتظار اللحظة التي تسمح بتنفيذ المشروع الصهيوني الخفي لهذه الحرب الغريبة.
فهل من الصدفة أن يكون تمدد “داعش” رأسيا على امتداد نهر الفرات، على ضفته الشرقية، لتتقاطع خارطة نفوذه مع خارطة إسرائيل الكبرى المعلنة، والتي سوف تستكمل بعد توجيه “داعش” نحو إسقاط دمشق وربما بغداد، ليس لصالح تركية ودول الخليج، ولا نكاية في الشيعة والعلويين، بل انتصارا لمشروع قيام الدولة الصهيونية التلمودية من النيل إلى الفرات؟
ما هو مؤكد أن من صنع “داعش” لا يريد لها أن تهزم الآن، قبل أن تحقق له جملة من الأهداف أدناها: وضع منطقة الشرق الأوسط تحت تهديد الفوضى المستدامة، وابتزاز دول وشعوب المنطقة، مع تخويف شعوب الغرب من الوحش “قاطع الرؤوس” وأعلاها: تهيئة أقاليم غرب الفرات لتمدد الدولة التلمودية الصهيونية مستقبلا، في فضاء تكون خلافة أبو بكر البغدادي قد حولته إلى أرض بلا شعب يرثها شعب الله المختار.