الجزائر
الدبلوماسي‮ ‬السابق‮ ‬عبد‮ ‬العزيز‮ ‬رحابي‮ ‬لـ‮"‬الشروق‮":‬

‮”‬ليس‮ ‬للجزائر‮ ‬خيار‮ ‬آخر‮ ‬سوى‮ ‬فتح‮ ‬المجال‮ ‬الجوي‮”‬

الشروق أونلاين
  • 20456
  • 79
الشروق
لوزير والدبلوماسي الأسبق عبد العزيز رحابي

يرى الوزير والدبلوماسي الأسبق، عبد العزيز رحابي، أن ترخيص الجزائر لفرنسا بمرور طائراتها الحربية عبر مجالها الجوي، لضرب الجماعات الارهابية في شمال مالي، صدر قبل بدء العمليات الجوية الفرنسية، ولم يكن للجزائر فيه خيار ثان سوى الاستجابة للطلب الفرنسي، وأكد أن ذلك‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬مشاركة‮ ‬الجيش‮ ‬الجزائري‮ ‬ميدانيا‮ ‬في‮ ‬الحرب،‮ ‬مستهجنا‮ ‬صمت‮ ‬وزير‮ ‬الخارجية‮ ‬الجزائري‮ ‬الذي‮ ‬منح‮ ‬سبق‮ ‬إعلان‮ ‬الخبر‮ ‬لوزير‮ ‬خارجية‮ ‬فرنسا‮.‬

‭‬ما‮ ‬هو‮ ‬الفرق‮ ‬بين‮ ‬الترخيص‮ ‬باستعمال‮ ‬المجال‮ ‬الجوي‮ ‬الجزائري‮ ‬ومشاركة‮ ‬الجيش‮ ‬الجزائري‮ ‬ميدانيا‮ ‬في‮ ‬الحرب‮ ‬في‮ ‬مالي؟

في حالة حرب كالتي نعيشها في حدودنا الجنوبية، فترخيص الجزائر لفرنسا باستخدام مجالها الجوي، ليس بالعملية التقنية البسيطة، فهو يخضع إلى شروط خاصة، وموافقة الجزائر بدون شرط او تحفظ على قرار مجلس الأمن الأخير يلزمها المساهمة في تطبيق هذا القرار، والترخيص يدخل في هذا الإطار، ولا يلزم الجزائر بالمشاركة عسكريا في باقي العمليات، واعتقد ان الحكومة الجزائرية كانت قد أعطت هذا الترخيص قبل بدء العمليات الجوية الفرنسية ضد الجماعات المسلحة في شمال مالي، فالترخيص باستعمال المجال الجوي لا يعني المشاركة الميدانية.

‭ ‬نسمع‮ ‬فتح‮ ‬سماء‮ ‬الجزائر‮ ‬أمام‮ ‬الطيران‮ ‬الحربي‮ ‬من‮ ‬وزير‮ ‬خارجية‮ ‬فرنسا‮ ‬وليس‮ ‬من‮ ‬وزير‮ ‬خارجيتنا‮ ‬أو‮ ‬من‮ ‬مسؤول‮ ‬جزائري‮… ‬ماذا‮ ‬يعني‮ ‬هذا؟

هذا ليس بالجديد في الجزائر، وفي بعض الدول العربية والإفريقية، الحكام لا يقدرون الرأي العام، لأنهم لايزالون بأذهانهم المتحجرة يعتبرون المواطن كرعية غير واع وغير ناضج، لكن في آن واحد يسعون إلى تجنيده وراء قضايا لا علم له بها.

في الجزائر البرلمان لا يراقب أداء الحكومة في سياستها الخارجية التي تخضع حصريا لسلطة رئيس الجمهورية الذي لم يخاطب إلى حد الساعة الشعب الجزائري حول حرب دولية تجري على حدودنا الجنوبية، وهذا التعامل والاستخفاف بالرأي العام له عواقب خطيرة، لأن الإعلام الدولي وخاصة الرسمي وتحاليله قد تخلق ازدواجية في الفهم والتحليل عند الجزائريين ويخل بالتالي بمبدأ مقدس هو الإجماع الوطني حول السياسة الخارجية، خاصة عندما يمس الأمر الأمن الوطني، هذا إضافة إلى غياب الطبقة السياسية والنخبة المدنية والعسكرية في التفسير والتوعية، الذي سيصل‮ ‬حتما‮ ‬إلى‮ ‬النتيجة‮ ‬بأن‮ ‬الجبهة‮ ‬الداخلية‮ ‬لا‮ ‬تقل‮ ‬حساسية‮ ‬عما‮ ‬يجري‮ ‬على‮ ‬حدودنا‮.‬

‬ما‮ ‬الذي‮ ‬جعل‮ ‬الموقف‮ ‬الجزائري‮ ‬ينقلب‮ ‬رأسا‮ ‬على‮ ‬عقب؟‮ ‬

بعد الموافقة على قرار مجلس الأمن رقم 2085، توقعت فشل الورقة الجزائرية “خيار المفاوضات والحل السياسي”، لعدة أسباب: الأول، هو تراجع الجزائر في افريقيا خلال العشر سنوات الأخيرة، لأنها راهنت على “النيباد” (الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا) الذي انهار كيانه في أول أزمة جهوية، وتجاهلت حقيقة العلاقات الدولية العصرية، وهي العلاقات الثنائية. العامل الثاني وأكون واضحا ولا يحتاج إلى خبرة في الدبلوماسية وهو عدم استعداد الحكومة المالية للدخول في مفاوضات مع انصار الدين والأزواد، لأن هذه المجموعات رفضت الامتثال لسلطة الدولة المالية حتى اذا كانت هذه السلطة في حد ذاتها غير شرعية. اما العامل الثالث هو الدور الجديد المميز للمجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا “اكواس”، ليس فقط بإرادة فرنسية، ولكن كذلك بحكم وزن دولة نيجيريا الشريك في نيباد، والذي دخل بكل وزنه السكاني والعسكري والمالي‮ ‬لكسر‮ ‬الروابط‮ ‬بين‮ ‬مجموعة‮ “‬بوكو‮ ‬حرام‮” ‬والجماعات‮ ‬الارهابية‮ ‬في‮ ‬الساحل‮. ‬ضف‮ ‬إلى‮ ‬ذلك‮ ‬التحالفات‮ ‬الجيوستراتيجية‮ ‬الجديدة‮ ‬في‮ ‬المنطقة‮ ‬همشت‮ ‬دور‮ ‬الجزائر‮ ‬وجعلتها‮ ‬قوة‮ ‬إمداد‮ ‬لا‮ ‬أكثر‮ ‬ولا‮ ‬أقل‮.‬

ما‮ ‬هو‮ ‬المقابل‮ ‬الذي‮ ‬قد‮ ‬تتحصل‮ ‬عليه‮ ‬الجزائر‮ ‬نظير‮ ‬تقديمها‮ ‬تنازلات‮ ‬لصالح‮ ‬فرنسا‮ ‬بـ‮”‬الترخيص‮ ‬باستخدام‮ ‬المجال‮ ‬الجوي‮”‬؟

لا اعتقد ان الجزائر تنازلت عن سيادتها في ظل ما يعرف في هذه الحالات، كما لا أظن انه تم مساومتها مقابل هذه التسهيلات، فهي تمتثل إلى أحكام قرارات مجلس الأمن، ولو لخصت كل ذلك كله في جملة واحدة فإن الجزائر ليس لها خيار ثان.

ما‮ ‬هي‮ ‬تداعيات‮ ‬هذه‮ ‬الحرب‮ ‬على‮ ‬الجزائر؟

تداعيات الحرب على الجزائر ستكون متعددة الأشكال، أولها الجانب الانساني: ففي حالة الزحف المرتقب للمدنيين نحو الجزائر بحكم القرابة بين الأزواد والتوراق، والجزائر البلد الوحيد القادر على توفير الحماية الأمنية والتغطية الصحية والتكفل بالحاجيات الغذائية، فقد تواجه الجزائر كذلك توغل بعض الجماعات المسلحة بأحدث أنواع الأسلحة التي تسربت من ليبيا، وأخيرا وهو في اعتقادي من اخطر التداعيات فهي الحرب الاستنزافية المفروضة على الجيش الوطني، حيث خلقت ضغطا مستمرا عليه في جميع حدودنا وهي تقارب 7000 كلم.. لم نعرف هذا الوضع منذ 50‮ ‬سنة،‮ ‬ولا‮ ‬اعتقد‮ ‬أن‮ ‬الطبقة‮ ‬السياسية‮ ‬واعية‮ ‬بهذه‮ ‬المخاطر،‮ ‬ما‮ ‬يضاعف‮ ‬من‮ ‬حدّة‮ ‬هذه‮ ‬التداعيات،‮ ‬فالجبهة‮ ‬الداخلية‮ ‬لو‮ ‬استمرت‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الخمود‮ ‬زادت‮ ‬حدّة‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬التداعيات‮ ‬السلبية‮.‬

مقالات ذات صلة