الحركة الإسلامية أمام الأسئلة الصعبة!!
أكثر من حقيقة تؤكدها نتائج الانتخابات التي تمت في تونس والمغرب ومصر.. أول تلك الحقائق أن الشعوب العربية متمسكة بإسلامها ليس فقط كعبادة في الصلاة والصيام وأركان الاسلام المعروفة، إنما كمنهج للحياة وشريعة وقانون وأنه رغم الإخفاقات الكثيرة التي منيت بها الحركة الاسلامية على مدار عشرات السنين، إلا أن الشعوب لازالت تأمل في إمكانية استئناف الحياة الاسلامية تواصلا مع تاريخ مجيد شهد لها بالسيادة والريادة.. ثاني تلك الحقائق أنه رغم الجهود الجبارة التي قام بها الاستعمار وامتداداته لتشويه المطالبة باستئناف الحياة الاسلامية وتقديم بدائل فكرية وسياسية تغريبية، إلا أن كل تلك الجهود باءت بالخسران.. ثالث تلك الحقائق أن الأنظمة التي تتصدى لقناعات الناس لا تفعل أكثر من تأجيل انبثاق الخيار الشعبي وأنه لم يجدها نفعا كل ما مارسته من تزوير وبطش وتمويه.
- من هذه الحقائق الواقعية نستطيع تكوين جملة مفادها، أن الخيار الإسلامي ذو حضور حقيقي وواسع في أوساط الشعب وضمير الشعب وأنه أكثر ثوابت الشخصية العربية ويكون من العبث تجاوز هذه الجملة بل ان من يحاول مواجهتها كأنما يضع كفه ليتصدى للسد.
كل هذا صحيح.. لكن قبل ان تأخذ البعض نشوة الفوز ويصابون بدوار القمة، لابد من طرح أسئلة على هذه النتائج في محاولة لكشف الحقيقي والوهمي في هذه العملية الكبيرة الاستراتيجية.. وننطلق في اسئلتنا من محاولة فهم العلاقة بين ثقافة الشعوب وانتمائها الحضاري ونتائج الانتخابات.. وهل تمثل هذه النتائج حجم الشعور بالانتماء الحضاري في الشعوب؟؟ بمعنى أكثر وضوحا هل نسبة 40٪ التي حققها التيار الاسلامي في تونس أو المغرب هي ممثل أمين للكتلة الشعبية التي تجد نفسها في الانتماء الحضاري الاسلامي؟ بالتأكيد تقفز الإجابة بالإنكار والاستنكار.. وهنا نرى أن يكون واضحا أن هذه النسبة التي حاز عليها الإسلاميون في مصر وتونس والمغرب ليست معبرة عن كل الذين يسكنهم الانتماء.. إنما هو إحدى الخيارات في الوصول إلى هدف استئناف الحياة الاسلامية وهو ليس بالضرورة خيارا مقنعا لكل المثقفين العرب وأن عدم الاقتناع به لا يمثل خللا في الانتماء الحضاري والعقائدي.. من هنا يأتي السؤال الى أي مدى تعبر هذه الحركات عن انتماء الناس وعن طموحهم الاجتماعي والسياسي والنهضوي؟
هنا نقترب من حزمة أسئلة تقف شاهدة على مستقبل أداء الحركة الاسلامية في المنطقة العربية.. فهل تقبل الادارات الغربية بالفوز المعتبر الذي حققته الحركة الاسلامية الاخوانية في البلدان الثلاثة..؟ وإن قبلته فما هو المقابل الذي على الحركة الاسلامية أن تقدمه للغرب؟ هل تقف المسألة عند حدود زيارات قادة الحركة الاسلامية لقطر وواشنطن أو عند حد التصريح بأنه ليس في النية إلغاء اتفاقيات كامب ديفد أو تصريحات من قبل بعض قادة الحركات الاسلامية بأنهم يتبنون نهج اقتصاد السوق ويؤكدون على التزاماتهم للمجتمع الدولي على التطمينات التي بعثوا بها اليهم؟؟
حتى لا نبتعد كثيرا نشير إلى النموذج التركي ومجالات عمله السياسي والاجتماعي وكيفية حصوله على الرضا الأمريكي والغربي.. ومن الواضح أن هذا الرضا الغربي له مسببات منطقية على رأسها الاعتراف بإسرائيل بل والتبادل الأمني والتجاري مع إسرائيل وانخراط تركيا في مهمات استراتيجية أمركية انطلاقا من التزاماتها العضوية في الحلف الاطلسي.. وهكذا نكتشف أن الاقتراب من النموذج التركي لايعني أن الغرب بدل في قناعاته تجاه الاسلام، إنما يكون كشف حقيقة موقفه تجاهنا أن الموضوع برمته ليس ذا صلة بالانتماء العقائدي أو الثقافي إنما بالتوجهات السياسية والاستراتيجية.. وهنا يكون مجال التحدي الكبير.
ماهو الموقف من القضية الفلسطينية هل تقبل الحركة الاسلامية الفائزة في الانتخابات في تونس ومصر والمغرب بما كان عليه الوضع السابق من قبل الانظمة التي كانت تحكم في تلك البلدان؟ والسؤال الثاني علاقة الأنظمة القادمة بالنظام الاقتصاي الدولي؟ والسؤال الثالث الموقف من عدوان أمريكا السافر على إيران وأفغانستان والعراق وفلسطين.. والسؤال الرابع إلى أي مدى ستعيد الحركة الإسلامية الفائزة في الانتخابات الحياة إلى شبكة العلاقات الاجتماعية في بلداننا؛ بمعنى أوضح الى أي مدى ستحيي القيم الحضارية من الشفافية والاخوة والتساند والتراحم والانسانية والعمل؟
فيما نحن نطرح أسئلة المستقبل على الفائزين في الانتخابات، نرى بجلاء كيف تسير الأمور على الصعيد الدولي لصالح الأمة ونهضتها وكيف تسجل الحضارة الغربية عجزها في إمكانية التوازن وحل المشكلات المتولدة عن النظام الاقتصاي الرأسمالي المقيت.. فالعجز المالي الذي يدفع بدول أوروبا إلى الإفلاس ويحمل أمريكا سقفا إضافيا من المديونية أن هذا العجز لن يتوقف عند حد أنه بداية الانهيارات المدوية.. وهذا بحد ذاته يطرح تحديا دوليا على الحركة الإسلامية.
إن الإجابة على الأسئلة المطروحة على الفائزين بالانتخابات تحدد موقع الحركة الاسلامية إما في خندق الأمة وقضاياها، أو على طاولة المسرح الدولي الذي يشرف عليه دهاقنة المستعمرين.. والإجابة تتولاها الأيام.